القارئ للاستراتيجيات التنموية التي تم إطلاقها خلال الأعوام القليلة الماضية، يلاحظ أن الدولة أولت اهتماماً خاصاً بالقطاع الخاص، بل صار شريكاً استراتيجيا للحكومة التي تنازلت له عن طواعية ليتقاسم معها مهمة تنفيذ العديد من مشروعات تدخل ضمن خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية. والمعروف أن دول النمور الآسيوية، خصوصاً سنغافورة وماليزيا، كانت سباقة في ذلك.

إذ أدركت منذ سنوات مضت أن السبيل الأوفق لإحداث تنمية متوازنة هو تعظيم دور القطاع الخاص، واعتباره شريكاً أصيلاً يناط به الإسهام في حركة تحديث وتطوير المجتمع. وكان نتاجاً لهذه الشراكة الاستراتيجية أن لعب القطاع الخاص دوراً رئيسياً في انتشال ماليزيا من الأزمة المالية الطاحنة التي تعرضت لها في أخريات القرن الماضي. وهكذا أصبحت التجربة الماليزية يحتذى بها في تأكيد أهمية وجدوى الشراكة بين مؤسسات الدولة وشركات القطاع الخاص.

وحالياً يطرح مفهوم "المسؤولية الاجتماعية" للدلالة على الدور الذي يتعين على شركات القطاع الخاص أن تسهم به لدمج مشروعات العمل الاجتماعي، وذلك باستقطاع نسبة مقدرة من الأرباح التي حصل عليها جراء تنازل الدولة له، لتنفيذ مشروعات البنية التحتية والعديد من المشروعات اللوجستية ذات العلاقة بتجارة الخدمات. وثمة سؤال مطروح؛ لماذا لم يتم التوفيق بين مؤسسات الدولة لتأسيس شراكة مفصلية مع القطاع الثالث وبمستوى يتقارب مع ما تم مع القطاع الخاص؟

يعرف القطاع الثالث في الدول النامية والناشئة، باسم القطاع الأهلي أو منظمات المجتمع المدني أو الجمعيات ذات النفع العام، وكلمة "أهلي" تشير إلى ارتباط هذه المنظمات الوثيق بالقاعدة العريضة من السكان المواطنين، وتعبيرها عن مبادرات صادرة أصلا من الأهالي والسكان المحليين.

والقطاع الأهلي بكل المقاييس، لا يقل أهمية عن القطاع الخاص، لاعتبارات عديدة لعل من أهمها أنه يعتبر الناطق الرسمي بلسان قطاع عريض من أبناء المجتمع، كما أن القيادات المسؤولة عن القطاع الثالث قوامها نشطاء وقياديون في ميادين العمل الاجتماعي أو الإنساني أو غيره من الميادين الرحبة الموصولة بحياة السواد الأعظم من الناس. ومع أهمية القطاع الثالث إلا أنه لا يحظى بما يستحق من أهمية، رغم ارتباطه الوثيق بالمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تشهدها المنطقة في الفترة الحالية..

والشاهد أن مجموعة من العوامل الموضوعية أدت إلى تزايد أعداد هذه الجمعيات كما تعددت منطلقاتها وأهدافها. ومع أن معظمها يركز على العمل الخيري والإنساني، وتحديداً في مجالات مكافحة الفقر ورعاية المعاقين والفئات الخاصة كالقصر ومجهولي النسب، ورعاية الأسرة وقضايا تنظيمها، والبيئة والصداقة بين الشعوب (الدبلوماسية الشعبية)..

إلا أن المتتبع يلاحظ ظهور ميادين جديدة لم تكن مطروقة، ولا بد أن تنامي الوعي المعرفي في عصر الفضاء المفتوح وشبكات التواصل الاجتماعي، وسع من ارتباط أفراد المجتمع بقضاياهم متأثرين في ذلك بالأدوار النشطة التي تقوم بها جمعيات ومنظمات إقليمية ودولية عاملة في كافة المجالات (أطباء بلا حدود والشفافية الدولية والجمعية الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر وغيرها..).

وفي سياق البحث عن دور فاعل لجمعيات ومنظمات القطاع الثالث، لعله من المهم الإشارة إلى انعدام المقارنة بين القطاع الخاص والقطاع الثالث.. فالأول اقتصادي واستثماري وربحي، والثاني تطوعي ومجتمعي.

ما يهمنا تأكيده هو أن التطورات والمتغيرات المتسارعة أدخلت القطاع الثالث في ملعب الأحداث، ومن ثم فإنه من العسير إغفال دوره في الحياة المعاصرة، مع الأخذ في الاعتبار مجريات الأحداث وتداعياتها، ذلك أن حالة الخمول التي يعاني منها العديد من الجمعيات ذات النفع العام، ليست مبرراً لإغفال أو تهميش أو التقليل من تأثيرها حاضراً أو مستقبلاً.

فهنالك دول سارعت بفتح حوار معها لاستقطابها لمواجهة أي تحديات مستقبلية، وهنالك من فضل إشراك الجمعيات النشطة في تنفيذ بعض المشروعات ذات العلاقة بأنشطة الشباب والرياضة والعمل الاجتماعي والتطوعي. وفي ظني أن الجهات المسؤولة عليها فتح ملف الجمعيات الأهلية ذات النفع العام وإعادة قراءته في سياق مجريات الأحداث الإقليمية والدولية، فنحن نعيش في عصر عالمية المجتمع المدني في وقت ازداد ارتباط الجمعيات والمنظمات بعضها ببعض.

كما لوحظ تزايد عدد المنظمات التي انضمت إلى لجنة المنظمات غير الحكومية في الأمم المتحدة (الايكوسوك) التابعة للمجلس الاقتصادي و الاجتماعي، التي أنشئت لتبادل خبرات وتجارب الدول في كافة مجالات العمل الأهلي الطوعي. والأمل معقود أن يصبح القطاع الثالث شريكاً فاعلاً وأكثر إيجابية، خصوصاً في الظروف التي تعيشها المنطقة والتي تتطلب رفع شعار الوحدة الوطنية والتلاحم مع القيادة دفاعاً عن المصالح العليا للوطن.. وهكذا يستطيع القطاع الثالث أن يكون شريكاً أصيلاً شأنه شأن القطاع الخاص.