ينبغي لعام 2012 أن يكون عام انتخابات أيديولوجية في ما يتعلق بالاقتصاد، ولا تكون كل الحملات الانتخابية واضحة المعالم. ففي بعض الأحيان يزيد جمهوريون معتدلون الضرائب (كما فعل الرئيس الأميركي السابق جورج بوش)، وفي أحيان أخرى يخفض ديمقراطيون براغماتيون الإنفاق (كما فعل الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون).
ولكن في العام الجاري، سيخوض ميت رومني، وهو المرشح الجمهوري، حملة أيديولوجية تدعو إلى حكومة أكبر وضرائب أقل، ضد الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي لا يقل عنه أيديولوجية، والذي يريد حكومة أكبر وضرائب أعلى. وفي هذا العصر الذي تنقسم فيه أميركا إلى ولايات حمراء وأخرى زرقاء، فإن مؤيدي كل مرشح لن يطلبوا أقل من ذلك، وسيكون لديهم خيار واضح.
وستذكرنا شعارات حملة العام الجاري، بكل النقاشات الأميركية الكلاسيكية التالية: هل كانت الحكومة الكبيرة في عهد "الصفقة الجديدة" هي التي أنهت حقاً الكساد الكبير، أم أن المشاريع التجارية المستوحاة من الحرب العالمية الثانية هي التي فعلت ذلك؟ هل كان الأميركيون أفضل حالا في ظل سياسات رونالد ريغان الاقتصادية أم سياسات بيل كلينتون؟ هل كان جشع وول ستريت السبب في الانهيار المالي عام 2008، أم الفساد الحكومي المتفشي في مؤسستي "فريدي ماك" و"فاني ماي"؟ وأي نموذج خدم شعبه بصورة أفضل: النموذج الأميركي أم نموذج الاتحاد الأوروبي؟
وسيجادل رومني ضمنياً، بأن نجاحه السابق في القطاع الخاص وخبرته في إدارة المشاريع سيجلبان للأميركيين مزيداً من الحرية الشخصية والازدهار، وإن كانت هذه الطفرة ستسفر عن تفاقم انعدام المساواة.
ولو عمد الأميركيون إلى تبسيط معدلات الضرائب أو خفضها، وخفض الإنفاق الاتحادي، وسداد الديون، وتقليم القوانين، والمضي قدما في تطوير الوقود الأحفوري، فإن رومني يجادل بأن فرص العمل ستتحسن، وبأن أصحاب الأموال الذين يقفون على الهامش الآن سيعودون إلى اللعبة. وفي تلك الحالة، ستتسع رقعة الاقتصاد، وسيتم توزيع مزيد من الثروات، وسيتم جمع عائدات أكبر من الضرائب. وسيهاجم الرئيس أوباما سياسة "انسياب الاقتصاد"، وسيقابلها بدعوة إلى المساواة. وقد كشف عن وجهات نظره في ما يتعلق بالعدالة، في إبريل 2008.
فعندما سئل السناتور (حينها) أوباما عن رفع معدلات الضريبة على الأرباح الرأسمالية، أجاب بأنه سيزيد الضرائب بالفعل "من أجل العدالة" وحدها، وإن كانت زيادة كهذه ستؤدي إلى إجمالي عائدات أقل للجميع. وخلال السنوات الأربع الماضية، أوضح أوباما ما كان يعنيه تماماً. فقد وصلت نسبة الأميركيين الذين لا يدفعون ضرائب الدخل إلى قرابة النصف، وازداد عدد الأشخاص الذين يعتمدون على كوبونات الغذاء، وتضخم حجم الحكومة أكثر من أي وقت مضى، وكثرت القوانين التي تنظم سير الأعمال التجارية.
وغالباً ما يتحدث أوباما عن "القطط السمان" من المصرفيين، و"أصحاب الطائرات النفاثة"، وأولئك الذين يسافرون على حساب الدولة لحضور مباراة السوبر بول أو إلى لاس فيغاس، وعن الأميركيين الأنانيين الذين يحتاجون إلى أخذ استراحة من تحقيق الأرباح، أو الذين لا يعرفون أنهم جمعوا بالفعل ما يكفي من المال. وهو يعتقد أن الأميركيين ليسوا في حالة جيدة، لأن قلة قليلة في القمة هي في حالة جيدة جداً.
وسيرد رومني بقوله إنه إذا لم يضطر المزارعون إلى القلق بشأن القوانين "الخضراء" الجديدة، وإذا تمكن رجال النفط من التنقيب في مزيد من الأراضي الفيدرالية، وإذا عرف رجال الأعمال أن ضرائبهم لن ترتفع، وإذا اعتقد الممولون أنه يتعين عليهم جني الأرباح بدلاً من الاعتذار عنها، فإن مزيدا من الأميركيين سيعثرون على وظائف، ومزيدا من النفط المكتشف سيعني وقوداً أرخص للجميع.
وهذه هي النقاشات القديمة التي حرضت ذات يوم الثورة الأميركية على المساواة الفرنسية، والرؤى الدولية التي تبناها جون ماينارد كينز والقائمة على الفردية التي تبناها فريدريك حايك، والاعتراف المأساوي بأن الأميركيين لا يستطيعون أن ينالوا حريتهم الحقيقية، إذا أجبروا على أن يكونوا سواسية في نهاية المطاف على الفكر المثالي القائل إن الأميركيين عندما يصبحون سواسية، فإنهم يصبحون أحراراً بحق.
وبعبارات أكثر وضوحاً، فإن رسالة رومني هي أنك إذا كنت تملك المال الكافي لقيادة سيارة "كيا" جميلة، فإنك لن تكترث إذا مرت من جانبك سيارة "مرسيدس" أنيقة. ورد أوباما، في المقابل، هو أنه ينبغي عليك أن تهتم، وذلك لأن الشاب الذي يقود الـ"مرسيدس" أخذ شيئاً منك على الأرجح.