أكتب بعد عودتي من الإدلاء بصوتي في الانتخابات الرئاسية، المشهد تاريخي بكل معنى الكلمة.. حرارة الجو وسخونة المعركة والتحذيرات السابقة لم تمنع الملايين من الوقوف لساعات في طوابير طويلة لتؤدي واجبها الانتخابي.

النظام رائع والتجاوزات بسيطة والسيطرة الأمنية من قوات الجيش كاملة، لكن الأهم هو هذه الروح الرائعة التي تملأ الناس بالحماس وبالثقة وبالإصرار على أن يكتمل العرس وأن تنطلق مسيرة الديمقراطية انطلاقاً صحيحاً، رغم كل المصاعب والتحديات.

كأن أجيالًا مضت على تلك الأيام التي كنا نتحدث فيها عن «موت السياسة» في مصر، وعن غياب الأحزاب عن الفعل، وعن فراغ هائل لابد أن تملأه تيارات التطرف أو أن يقود إلى الفوضى.

الثورة غيرت كل ذلك. رغم السلبيات والأخطاء وخيبات الأمل، فإن السياسة عادت، والأجيال الجديدة بالذات التي كانت خارج الحسابات تضفي الحيوية والفاعلية في المشهد السياسي. صحيح أن الخبرة كانت تعوزها ولكنها تتعلم بسرعة.

وصحيح أنها ما زالت تفتقد التنظيم، ولكنها تملك قدرات على التأثير في قطاعات واسعة من الرأي العام خاصة في المدن الرئيسية. وصحيح أن موازين القوى في اللحظة الراهنة قد لا تكون في صالحها ولكنها تملك المستقبل بكل تأكيد.

العرس الديمقراطي في أحد جوانبه يعني نجاح المجلس العسكري في توفير المناخ الملائم للانتخابات رغم كل الظروف المعاكسة. فالتجاوزات قليلة، وتأمين الانتخابات ممتاز، وعملية التصويت تجري تحت الإشراف القضائي وبضمانات معقولة، لكن نزاهة التصويت لا تعني كل شيء.. فخارج لجان التصويت كانت هناك عوامل سلبية في مقدمتها المال السياسي واستخدام الدين في المعركة الانتخابية.

المال السياسي أنفق بصورة تعددت كل التوقعات. مئات الملايين من الجنيهات أنفقت بلا مبالغة في هذه الانتخابات. والرشاوى الانتخابية امتدت من المعونات البسيطة إلى الصفقات الكبيرة، وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة ونسب الفقر المرتفعة فإن تأثير المال السياسي يكبر، خاصة في الريف والمناطق العشوائية.

أما استخدام الدين فقد وصل إلى مداه من جانب المرشحين الذين ينتمون لتيارات الإسلام السياسي، وهكذا وجدنا من يتحدث عن «المرشح الرباني» والمرشح الذي اختارته العناية الإلهية، ووجدنا أوكازيون الفتاوى التي تقول إن هذا المرشح فريضة!! وأن انتخاب مرشح آخر إثم عظيم يذهب من يرتكبه إلى النار!! وكان الجديد أن اتهامات التكفير لم تتوقف عند المرشحين المنتمين للتيارات المدنية، بل امتدت لتشمل المرشحين المنتمين لتيارات الإسلام السياسي، خاصة بين مرشح الإخوان المسلمين من ناحية، وعبد المنعم أبو الفتوح المدعوم من معظم التيارات السلفية. وأظن أن هذا قد أدى إلى افتقاد هذه الحملات للكثير من مصداقيتها عند المواطن العادي بعد أن رأى الجماعات الإسلامية تتبادل الاتهامات بالكفر والخروج عن الدين الحنيف!!

وتبقى المفارقة الكبرى بين أفراح الملايين بعرس الديمقراطية بأول انتخابات رئاسية تعددية حقيقية لا يعرف فيها اسم الفائز مسبقاً، وبين المخاوف مما يحدث في اليوم التالي للانتخابات.

الخطر الأول هو عدم قبول البعض لنتائج الانتخابات إذا لم تكن في صالحهم، وخاصة من جانب «الإخوان المسلمين» الذين يعتبرون المعركة مسألة حياة أو موت لأن الخسارة لا تعني فقط خسارة الرئاسة، بل خسارة البرلمان الذي ينتظر قرار المحكمة الدستورية ببطلان انتخاباته.

وهناك أيضاً الرفض لعودة المحسوبين على النظام السابق، وإذا كان البعض هنا يبدي تساهلًا في التعامل مع عمرو موسى ويقبل وجوده في انتخابات الإعادة أو فوزه بالرئاسة، فإن الأمر يختلف مع أحمد شفيق الذي ترفضه التيارات الممثلة للثورة والتيارات الإسلامية وتهدد بالنزول للشارع لمنع عودته. وهناك خطر صدام سوف يفرض نفسه إذا ذهبت الرئاسة لمرشح الإخوان المسلمين، واكتملت للجماعة السيطرة على السلطتين التنفيذية والتشريعية، في مواجهة جيش تعهد بالحفاظ على مدنية الدولة واعتبرها خطاً أحمر لا يمكن التسامح في تجاوزه.

وهناك خطر العجز عن مواجهة التحديات الهائلة التي ينبغي التعامل معها بسرعة وحسم من جانب الرئيس القادم أيا كان. إن الوضع الاقتصادي يحتاج لإجراءات عاجلة واتفاقات مع أطراف عربية ودولية وليس إلى أوهام وأرقام تقال في الهواء ومشروعات على الورق.

والأمن يفرض نفسه كقضية لها الأولوية بعد أن تعاظمت الأخطار، فلم يعد الأمر هو الفلتان الأمني الذي شهدته مصر بعد انهيار جهاز الشرطة الداخلية، وإنما أصبح الأمن القومي هو القضية الأخطر في ظل تدهور الأوضاع في سيناء وظهور التيارات السلفية والجهادية للعلن، وتدفق السلاح المهرب من حدود مفتوحة على السودان وليبيا وتطور نوعية السلاح لتصل إلى الصواريخ والمدافع المضادة للطائرات. كل هذا وسط أوضاع مضطربة في المنطقة كلها وظهور لبؤر القاعدة على خريطة تقع من العراق إلى اليمن، ومن سوريا إلى ليبيا!!