يقال والعهدة على الراوي، إن الشمس لا تستطيع أن تخفيها بغربال مهما حاولت، فهي تخترق كل الحواجز حتى الغيوم السوداء الداكنة، فهي الحياة لهذا الكوكب، فالأشجار تشتاق إليها والطيور تغرد، سواء في حالة الشروق أو الغروب إنها الدلالة الأولى لبداية يوم جديد في حياة البشر، وهي أيضاً مؤشر إلى نهاية يوم آخر في الدنيا وفي حياتنا، إلا نتذكر جميعاً الأغنية التي مفادها طلعت يا محلى نورها شمس الشموسة.... إلخ، ومن هنا فإن الإنسان يخاف كثيراً من الظلام الدامس لذلك يهتدي بالنجوم لتحديد اتجاهه نحو الهدف المنشود من الرحلة.
هذا بالنسبة للطبيعة أما الحياة الاجتماعية للبشر فهي الأخرى مستمرة، يدخلها الإنسان منذ الصرخة الأولى معلناً ولادته وخروجه من رحم الأم، إلى رحم الحياة الواقعية وتنتهي بخروج الروح من الجسد وإعلان موته، هذه هي الحياة، ولذلك يخاف الإنسان العادي من الموت لأنه النهاية، اللهم إلا أولئك الذين يهبون حياتهم من أجل الوطن والحرية والتخلص من العبودية.
في ظل تلك الرحلة الطويلة يتصرف الكائن البشري وكأنه خالد للأبد وينسى أن العمر قصير مهما طال وهو في نهاية المطاف يعود إلى التراب من جديد.. وتبقى إنجازاته باقية على طول الزمن.
ويظل الإنسان في صراع مع قضاياه سواءً الاجتماعية أو الاقتصادية والسياسية، وخلالها تبرز الثورات والاختراعات والقوانين والأعراف والتقاليد فهي ايضاً مؤشر على تطور المجتمع، وعدم الركون إلى الثبات.
في المرحلة الأولى يعتمد المجتمع على الأعراف والتقاليد والقيم السائدة، حيث إنها تتحكم في سلوك البشر وتساعد في خلق الطبقات الاجتماعية، حيث إن كل طبقة اجتماعية لها المنظومة التي تلتزم بها، وتعاقب كل من يحاول الخروج عنها، إلا أن التمرد وهي صفة من صفات البشر يظل قائماً وقد تكون البداية على شكل حالات فردية ومع مرور الزمن تصبح ظاهرة اجتماعية يلتف حولها العديد من المؤمنين بها، وهي تؤدي إلى اضطراب وخلل في المجتمع، فهي الضوء البسيط بداية، إلا أن تزايد أعدادهم يؤدي إلى بروز مرحلة جديدة في حياة المجتمع.
ومن هنا تبرز أهمية سن القوانين بدلاً عن الأعراف والتقاليد فيسل كل منهما سيفه في وجه الآخر، إلا أن التقاليد تظل صامدة في وجه القوانين لأنها تحتاج إلى أجيال حتى تتغير وينتهي دورها في المجتمع.
ومن الملاحظ بشكل عام، أن المشكلات الاجتماعية سواء ما يتعلق بوضع المرأة، أو مؤسسات الدولة الحديثة، أو غيرها لا تستطيع قوة الإعلام القضاء عليها أو مهما حاولت فهي تبرز من تحت الرماد معلنة عن وجودها من جديد، وإن كانت تبدو مختلفة عن السابق.
في الآونة الأخيرة طرح موضوع التلاحم الاجتماعي وذلك بعدما اعتقد أن ذلك من بقايا المجتمعات التقليدية وأن الزمن قد نساها للأبد، وخاصة في ظل تنامي الفردانية والخلاص الفردي.
ولعل مؤشر التركيبة السكانية في دول مجلس التعاون الخليجي دق ناقوس الخطر من جديد، حيث إنهم ،أي السكان المواطنين، لا يشكلون أكثر من 20% في أحسن الحالات، ويعيشون بين أمواج عالية من الثقافات الأخرى والتي ربما تختلف عن ثقافة المجتمع. وحل هذه المشكلة يحتاج إلى عشرات السنين مما يعني أن الهوية الوطنية باتت في بؤرة الخطر الحقيقي، ولعل الإنسان يتساءل من هو المسؤول عن ذلك، هل هي القوانين أو البشر أو عوامل أخرى؟ تم سابقاً حل الإقامة الدائمة أو التجنيس أو عقود محددة الفترة الزمنية للبقاء والعمل، إلا أن حب جمع المال كان على حساب الوطن، لدى فئة من أفراد المجتمع.
وبرز من جديد صاحبي المزعج ضاحكاً وطارحاً ما يلي : هل تم محاسبة من تسبب بالمشكلة؟ فقلت له أغرب عن وجهي، فلم أعد بحاجة إلى أسئلتك الاستفزازية، ولم أعد أطيق وجودك بين الفينة والأخرى، فقال: هل تعتقد تجاهلها هو الحل؟، آلا تدرك أن أشعة الشمس تذيب أكبر الجبال الجليدية وذلك سيؤدي إلى اختفاء الأرض ومن عليها على المدى البعيد.
حاولت أن أخلد إلى النوم وأن أرتاح وأريح دماغي من التفكير، إلا أن كابوس الواقع المر حال دون ذلك وبرزت تلك المشكلات كلهيب النار المشتعلة. وظهرت من جديد مشكلة الطلاق في مجتمع الإمارات، إضافة إلى سلوك العنف بين الشباب، وربما البطالة من جديد مما يلفت النظر أن تدخل الأسرة المباشر في حياة المتزوجين حديثاً يؤدي إلى بداية المشكلات ولا يتركونهم للوصول إلى حلول مشكلاتهم بالتفاهم أو الحوار فيما بينهم فهم أدرى بها من غيرهم، وإلا فإن العودة إلى الزواج من أجنبيات سيعود من جديد هروباً من بنت الوطن.
أما بروز استخدام العنف بين الشباب، فهو مخيف جداً وخاصة حينما يستخدم السلاح الأبيض (السيوف والمطارق وغيرها من الأدوات) والسؤال من قام باستيراد أو صناعة آلات الموت هذه، وهل حاولنا دراسة ظاهرة العنف في المجتمع بعيداً عن القيل والقال وما ينبغي أن يكون .. إلخ؟.
إن المجتمع يفقد يومياً العديد من حاملي شعلة المستقبل من الشباب، سواء بحوادث السيارات أو استخدام العنف، وكل تلك الوسائل لم تدرك أن هنالك علة يجب علاجها علمياً وبتلاحم اجتماعي بين كل المؤسسات في الدولة، وأن يطبق القانون على الجميع، وذلك سوف يردع كل من تسول له نفسه إيذاء المجتمع.