هل من ربيع خاص بطبعة فلسطينية؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

الفرادة التي ميزت القضية الفلسطينية وحال الشتات للشعب الفلسطيني، والتداخل السلبي مع إشكاليات الحالة العربية (كما وقع في المرحلة الأردنية والمرحلة اللبنانية من العمل الوطني الفلسطيني)، ساهمت بشكل أو آخر في إدامة بقاء واستمرار "معادلات سلبية"، كان من تداعياتها ونتائجها غياب روح الإصلاح الجدي والحقيقي في عموم البيت الفلسطيني، وفي عموم المؤسسات الوطنية للشعب الفلسطيني، على مستوى منظمة التحرير الفلسطينية وعلى مستوى مجموع القوى والفصائل، بمختلف مشاربها الفكرية الأيديولوجية والسياسية.

فكيف نرى حالنا الفلسطيني الآن؟ وهل من ربيع جديد (حقيقي) بنسخة فلسطينية خالصة (نقول نسخة فلسطينية خالصة) مغايرة لما جرى ويجري في بلادنا العربية من لغط بات يحيط بكل ربيع من تلك "الربوع"؟ وهل من ربيع فلسطيني يعيد فيه الفلسطينيون التأسيس لانطلاقة جدية للعمل الوطني والسياسي، ربيع فلسطيني حقيقي ومغاير لما يجري في بعض بلداننا التي اختلط فيها الحابل بالنابل، وضاعت أهداف الناس ومطالبهم العادلة في لجة التداخلات والتدخلات الدولية..؟

إن التجديد المراد في البيت الفلسطيني عبر ربيع قادم، لا يعني البتة القيام بانقلاب تقليدي مباشر لنسف القديم وتدميره واجتثاثه، بالمعنى الفكري والسياسي، وحتى بالمعنى الملامس للقيادات التي تعتقت في ميدان المواقع التي تأبدت باسمها في عموم القوى. بل إن المقصود بالربيع الفلسطيني المنشود، هو القيام بعملية نقدية جدية وحقيقية لحالنا الفلسطيني.

وإعادة التأسيس لحالة جديدة لا تنفي القديم ولا تعدمه، بل تعمل على تكريس معادلة عنوانها "التزاوج بين خبرة القديم وروح الجديد"، وإعادة تحقيق جملة من الإصلاحات الجدية والحقيقية التي تأخذ بعين الاعتبار موقف الناس وصوتهم، وتقفز عن الخطاب الإصلاحي التقليدي التعبوي والإنشائي، الذي طالما سيطر على أدبيات مجموع الفصائل الفلسطينية منذ سبعينات القرن الماضي.

فالربيع الفلسطيني المنشود، يعني بالدرجة الأولى، إصلاحا سياسيا أولاً، وإصلاحا إداريا ومؤسساتيا ثانياً، وإصلاحا للبنى التنظيمية لعموم القوى والأحزاب ثالثاً، وفي المقدمة منها منظمة التحرير التي تشكل الإطار الائتلافي الجامع لكل الشعب الفلسطيني، بملايينه الأحد عشر المنتشرين في الداخل الفلسطيني وعلى امتداد دياسبورا الشتات والمنافي.

إن الإصلاح السياسي الجدي، يفترض كما يتم الآن الحديث عنه في حوارات، تطبيق اتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية. إن هذا الإصلاح يفترض فيه أن يقفز عن المواقف الشعاراتية، وعن استيراد المبررات والشعارات التي تدغدغ المشاعر من "نيو سوبر ماركت الشعارات"، ليتم فتح الطريق أمام إصلاح سياسي يعيد الاعتبار لوحدة الصف والشعب الفلسطيني بين الداخل والشتات، بعد سنوات طويلة من التمزق السياسي والكياني المؤسساتي، في ظل التهميش الذي تعانيه منظمة التحرير الفلسطينية.

أما الإصلاح الإداري والمؤسساتي، فالمفترض أن يطاول كل المؤسسات الوطنية الفلسطينية المتواضعة الحضور في صياغة القرار، وأن يعيد لها الاعتبار بعد تغييب مستديم منذ أكثر من عقدين من الزمن.

حيث غياب المؤسسات والمرجعيات القانونية المستقلة، وسطوة الفرد، وتكريس السلطات القائمة على هياكل مؤسسات، هي أقرب لهياكل ومؤسسات أنظمة القوى الشمولية الأوليغاركية الاستبدادية، التي تعاني منها شعوبنا العربية وشعوب العالم الثالث الملسوعة بكرابيج القمع.

وعليه، وفي سياق الإصلاح الإداري والمؤسساتي، فإن عنوانا إشكاليا كبيرا ما زال يلف كل الحوارات الفلسطينية التي تمت خلال الفترات الماضية، والتي توجت بتوقيع اتفاق المصالحة في القاهرة منتصف العام 2011 وما تلاه من توقيع لإعلان الدوحة. والعنوان الإشكالي المقصود، يتعلق بملف المؤسسة الوطنية الشاملة للشعب الفلسطيني، وهي منظمة التحرير التي يتصدر موضوع إعادة بنائها أبرز الملفات المعقدة في سياق عملية المصالحة الفلسطينية.

إن إشكاليات المنظمة الداخلية كبيرة ومتعددة، وتلخص عند أصحابها المخلصين لها، وإلى حد بعيد، معنى الرغبة في تحقيق الإصلاح المؤسساتي المطلوب، ووضع حد للتهميش الذي تعانيه المنظمة ومؤسساتها، وإنهاء حالة الطغيان والاستحواذ الفردي والشخصي، والوصول إلى ذهنية تريد للشعب الفلسطيني أن يؤطر بناه ومجتمعه المدني، على أساس من مأسسة الحياة الداخلية وإحلال وسيادة القانون.

في مواجهة "عقلية تريد أن تحافظ على الإرث السلبي الذي ما زال يعشعش ويفعل فعله في الساحة الفلسطينية"، داخل البنى والمؤسسات وداخل عموم القوى والأحزاب والفصائل الفلسطينية، وخاصة الفصائل اليسارية منها المتورطة في مستنقع الأزمات في الحالة الفلسطينية، وعلى درجات من التفاوت.

ومن هنا القول بأن المسائل المثارة في الحوارات الفلسطينية لتحقيق المصالحة، كان يجدر بها أن تكون أكبر من توزيع الصلاحيات أو المناصب والحصص على عموم المؤسسات والأطر القيادية للمنظمة، وأكبر من أسلوب النهج الاستخدامي الاستهلاكي على يد ملوك "اللعبة الداخلية".

وبالطبع، فإن الحديث عن المنظمة، أي منظمة التحرير التي تشكّل الائتلاف الوطني العريض للشعب الفلسطيني، لا يعفينا من الحديث عن الحالة الفصائلية الفلسطينية، وإشكالياتها الكبيرة الناجمة عن بنيتها اللاديمقراطية، وسطوة الفرد فيها، وغرق مجموعات منها في أزمات الفساد والإفساد المستفحل في البيت الفلسطيني، والمسؤولة بشكل أو بآخر عن الكثير من مظاهر التردي في المعادلة الفلسطينية.

إن إحالة الأمور السلبية في جوانب كثيرة منها للفصائل، والحديث عن ضرورة إصلاح بناها ومؤسساتها إدارياً وتنظيمياً، ليس "كلام حق يراد به باطل" أو تصفية لحسابات معينة كما قد يخرج علينا بعض المتسرعين، بل هو الحقيقة بعينها في السعي الجاد والمخلص للحديث بشفافية وديمقراطية، عن أوضاع البيت الفلسطيني.

فهل تستقيم الديمقراطية مع وجود أمين عام على رأس التنظيم منذ أكثر من 44 عاماً، على سبيل المثال لا الحصر؟ وهل تستقيم الديمقراطية مع وجود قيادات تأبدت في مواقعها القيادية في المكتب السياسي منذ أكثر من 44 عاماً حتى الآن؟ فمن غير المنطقي أن يبقى هذا العضو في المكتب السياسي وقد حضر الهزائم والولائم وارتكب الأخطاء والخطايا، ولم تتغبر أقدامه بتراب المخيمات أو حتى المناوشات، ومع هذا فهو على مقعد وثير من المهد إلى اللحد!

 

طباعة Email