الإنجاز التاريخي في أول انتخابات للرئاسة المصرية بعد الثورة هو نهاية «الرئيس الفرعون». لم يعد هناك مرشح بلا منافس، بل إن أحداً لا يستطيع التكهن بالرئيس القادم لمصر بعد أيام (إذا نجح من الجولة الاولى) أو بعد أسابيع (إذا كانت هناك جولة ثانية).. الكل يقاتل من أجل أصوات الناخبين، والكل يحاول كسب الثقة، والكل يعرف أنه في زمن الرئيس الذى سيسأل عما يفعل، ويحاسب على ما يقدمه من إنجازات أو ما يرتكبه من أخطاء.

هذا هو المكسب الذى لا يقدر بثمن، والذي ما كان يمكن أن يتحقق إلا بالثورة وبالشهداء الذين سقطوا وبالتضحيات التي قدمها الشعب وهو يصنع جمهوريته الجديدة. لكن المثير للدهشة أن خمسة عشر شهراً بعد الثورة أنتجت واقعاً مرتبكاً ينعكس في هذه المفارقة الأساسية التي تعيشها مصر الآن: حيث تتم انتخابات رئاسية غير مسبوقة في ديمقراطيتها، بينما يكاد يغيب عن المشهد صانعوه الأساسيون من قوى الثورة وخاصة شبابها الذين كان لهم فضل المبادرة وشجاعة التحدي..

كان من المفترض لو صارت الأمور بشكل طبيعي أن تكون المنافسة بين مرشحين يمثلون قوى الثورة يقدمون برامج ومسارات مختلفة لتحقيق أهداف الثورة لكن ما يجري الآن هو حصيلة الارتباك في إدارة المرحلة الانتقالية، والأخطاء التي ارتكبها الجميع.. المجلس الأعلى للقوات الذي يحكم، والأحزاب والقوى السياسية التي غلبت مصالحها الخاصة، وشباب الثورة الذين انقسموا وتشرذموا واكتفوا بالمليونيات بديلاً عن التحرك وسط الجماهير، وتم ارباكهم بمعارك مفتعلة استنزفت جهدهم بينما «الآخرون» يختطفون الثورة ويعقدون الصفقات على حسابهم!!.

بين المرشحين للرئاسة (رغم كل الظروف السابقة) عدد من المنتمين لقوى الثورة يتقدمهم (وفقا لكل الاستطلاعات) المرشح الناصري حمدين صباحي الذي يلتف حوله أكبر عدد من ائتلافات شباب الثورة، والذي فرض وجوده كمنافس حقيقي رغم قلة الإمكانيات المادية، ورغم ضراوة الحملات الموجهة ضده خاصة بعد المناظرة التلفزيونية الشهيرة بين عمرو موسى وأبو الفتوح، والتي أسفرت عن مفاجأة حقيقية حين أظهرت الاستطلاعات أن الفائز الحقيقي فيها كان حمدين صباحي!!.

المشكلة الحقيقية التي تواجهها مصر وهي تخوض هذه الانتخابات الرئاسية التاريخية، أن حصيلة شهور الارتباك في إدارة البلاد بعد الثورة هي الوصول لوضع لم تعد فيه الثورة وحدها في خطر، بل إن الدولة نفسها تواجه نفس المخاطر وأكثر!!.

 عدم عودة أجهزة الأمن الداخلي لجاهزيتها حتى الآن، أحداث سيناء وارتباطها بتهريب أسلحة ثقيلة ومتقدمة من الحدود الليبية، ظهور الرايات السوداء وأنصار بن لادن في أحداث العباسية، كلها أحداث ساهمت في تصدير المخاوف لدى المواطن العادي، وأعطت الإحساس بالحاجة لرجل قوي يستطيع التعامل مع هذه المخاطر. وربما كان المرشح أحمد شفيق هو المستفيد الأكبر من ذلك حيث تصاعدت نسبة التأييد له في الأسابيع الأخيرة رغم دخوله المعركة متأخراً والتهديدات القضائية التي تلاحقه.

الجانب الآخر من تهديد الدولة هو الأخطر، وهو ما يتعلق بتغيير طبيعة الدولة التي كانت منذ بداية العصر الحديث «دولة مدنية» ووضعها على طريق «الدولة الدينية»، إن ما بدأ في الاستفتاء الشهير على التعديلات الدستورية في مارس 2011 حين تم تحويل الأمر إلى «غزوة الصناديق» وإلى معركة بين الإسلام والكافرين يتكرر الآن بصورة خطيرة.

المؤتمرات الانتخابية لبعض المرشحين تتحول إلى حفلات لتكفير الآخرين!! البيانات الصادرة عن هيئات وجماعات تتحدث عن «قائد رباني» و«مرشح اختارته العناية الإلهية»!! منابر المساجد تم الاستيلاء عليها لتنطلق منها حملات الهجوم على الليبراليين واليساريين والقوميين بوصفهم أعداء الدين!! الحملات لم تتوقف عند هؤلاء..

فالمرشحون الإسلاميون أنفسهم يتبادلون الاتهامات، وأنصار كل واحد منهم يؤكدون أنه «الإسلامي» الوحيد، وأن الباقين هم ما بين إسلامي «مغشوش»، او خارج الملة!!. ورغم هذا فأغلب الظن أن الجولة الأولى ستمر بأقل الخسائر، ولكن ماذا بعد؟!

إن جولة الإعادة (في الغالب أيضاً) ستكون بين مرشحين أحدهما من التيار الديني والآخر من أنصار الدولة المدنية، وما نشاهده على الساحة الآن ينذر بانقسام حاد نخشى أن ينهي احتمالات التوافق لسنوات طويلة، وأن يجعل مهمة الحكم في الفترة القادمة حافلة بالمواجهات غير المحسوبة.

المجلس الأعلى للقوات المسلحة يبحث عن حل للمشكلة بعد أن فقد الأمل في إنجاز الدستور قبل الانتخابات وهو أمر كان متوقعا بعد أن أضاع الطريق من البداية والحل المرجح إعلان دستوري مكمل يحدد اختصاصات الرئيس وهو أمر يعارضه الإخوان المسلمون حتى الآن.

ووسط هذا كله تمضي الجولة الأولى من الانتخابات في طريقها. ولا أحد يعرف النتائج، وأكثر من ثلث الناخبين مازالوا يبحثون عن مرشحهم، والمال السياسي يتدفق في الانتخابات بلا حسابات، وبلا رقابة حقيقية!!. والرقم الذي حددته اللجنة المشرفة على الانتخابات لنفقات دعاية كل مرشح وهو عشرة ملايين جنيه، يبدو أشبه بالنكتة التي لا تضحك أحداً، فالكل يعرف أن ما ينفق هو أضعاف أضعاف ذلك، والسؤال فقط: من أين؟.. ولماذا؟!.