بعد أن قضى كل حياته يعتاش من عمله كمحام، كان والدي حريصا على أن يراني أتبع خطاه على الدرب نفسه. لكن مادة القانون لم تكن مادة جذابة بالنسبة لي، رغم أن والدي كان سيدفع كل الرسوم المطلوبة لدراستي فيها. ثم جاء الوقت الذي عدت فيه إلى قطر لأجد، لدهشتي الشديدة، أنه لا يبدو أحد مهتما بتوظيف شخص ضليع في اللغة العربية، لذا أخبرت والدي، بحماس ضئيل، أنني مستعد لدراسة القانون.
وبالطبع يفترض أن يمضي الشخص ثلاث سنوات كاملة في إحدى الجامعات، وأن يحضر صفوفا حول الجوانب المختلفة لمادة القانون يوميا، لكنني للغرابة، وجدت طريقة أرخص لدراسة القانون عبر البريد. لذا عملت ساعات عدة يوميا مدة ستة شهور، استلمت خلالها صفحات من الدروس المطبوعة عبر البريد، بالإضافة إلى أوراق الامتحانات، وهذه لاحقا كنت أجيب عليها وأرسلها إلى العنوان المعطى لي.
وكانت طريقة الدراسة تبعث على الضجر، خاصة وأن الموضوع الدراسي كان لا يستهويني. وبعد أن عملت بقوة أكثر مما فعلت في أي وقت مضى من حياتي، ذهبت وقدمت الامتحانات المطلوبة. فوجدت الامتحانات شديدة الصعوبة بعد هذه المدة القصيرة من الدراسة، ولقد استغربت رؤية اسمي بين أسماء قائمة الناجحين في الامتحانات، في كل المواضيع التي تؤهل المرء لأن يصبح محاميا. لكن، في سبيل أن يصبح المرء محاميا، يتطلب الأمر أكثر من مجرد النجاح في الامتحانات، حيث يحتاج المرء بعد ذلك للحضور يوميا إلى مكتب محامٍ، وقراءة كل حزم الأوراق المرسلة من زبائنه إليه، ومن ثم مرافقته إلى المحكمة.
وفي القانون الإنجليزي، هناك نوعان من المحامين، أحدهما يعرف بمحامي وكيل دعاوى وينجز معظم أعماله في مكتبه، وهذه تنطوي على كتابة أشياء مثل الوصايا والوثائق الخاصة بالشركات لزبائنه، علاوة على حضور محاكم ذات مواضيع ثانوية باسم المكتب. والنوع الآخر من المحامين يدعى محامياً في المحاكم العليا، وعمله يقتصر على تمثيل زبائنه في المحاكم العليا. وكنت قد قدمت الامتحانات الخاصة بالنوع الثاني من المحاماة، الذي يؤهلني لأصبح محاميا في المحاكم العليا.
عملت في البداية بضعة أشهر مع محامي وكيل دعاوى. وأذكر أنني وجدت العمل مضجرا جدا، وأنا أفتش في كل الصفحات المرسلة إليه، ومن ثم قراءة الإجابات التي أرسلها ردا عليها. وفقط في مناسبة واحدة شاركت مع المحامي الذي كنت أعمل معه في قضية غريبة، وبدا أن موكلنا معروف لدى الشرطة بأنه "شاذ". اليوم لم تعد هذه التهمة جرما في بريطانيا، لكن في ذلك الوقت عندما كنت أدرس القانون، كانت عقوبة الشذوذ قضاء فترة قصيرة في السجن.
وموكلنا، الذي كان يبدو عليه أنه شاب ظريف جدا، كان معروفا لدى الشرطة، وقد شاهده شرطي يدخل أحد المراحيض العامة، فتبعه الشرطي واعتقله، بعد أن أظهر اهتماما بالشرطي. ولم نكن قادرين على فعل أي شيء للشاب المسكين، وحكم عليه بالسجن شهرا. وفي غضون ذلك، شعر والدي بأنني أمضيت ما يكفي من الوقت مع هذا المحامي الاختصاصي في القانون الجنائي. وكان هناك شعور بأنه حان الوقت للعمل مع محامٍ آخر يتعامل مع قضايا تأخذه إلى المحاكم العليا، المعروفة باسم قضايا الادعاء بالحق الشخصي.
ولقد وجدت الرجل الذي سأعمل معه بغيضا بصورة خاصة، حيث كان مغرورا بنفسه ولا يعيرني، وأنا تلميذه الوحيد، إلا القليل من الانتباه، وبالكاد يجيبني عندما كنت أتمنى له "نهارا سعيدا". وكان كاتب يأتي كل صباح إلى المكتب الذي كنت أتشارك فيه مع محامي محاكم عليا، ويشق طريقه على الفور إلى المكتب الآخر ويترك حزمة من القضايا على مكتبه. وهذه الحزمة كانت دوما مطوية ومعقودة بشريط طويل وردي اللون كما جرت العادة.
وكان المحامي يخرج القضايا من الشريط وردي اللون، ويتفحصها، ومن ثم يسألني ما إذا كنت أود أن ألقي نظرة عليها. وكنت دوما أجيب بـ"نعم"، وأتظاهر بأني اقرأ الأوراق، رغم عدم فهمي لأي شيء منها.
ومن ثم جاء اليوم الذي دخل فيه الكاتب إلى المكتب، وسار قدما مارا بمكتب رفيقي وألقى حزمة من الأوراق المربوطة بشريط وردي اللون على الطاولة أمامي. فنظر رفيقي المحامي في المحاكم العليا إلي مندهشا، ولم ينطق بكلمة. وفي النهاية قال لي: "هل هذه الحزمة لك؟"،
فأجبته: "يبدو ذلك".. فسألني: "هل تمانع في أن ألقي نظرة عليها؟". فأجبته: "لا، أبدا"، وأخذت بعض الأوراق من الحزمة إلى مكتبه. فقام بفتح الأوراق ودرسها لفترة من الوقت، ثم قال لي: "لقد مضى على وجودي محاميا في المحاكم العليا خمسة وعشرون عاما، لكنني ما تجرأت يوما على الذهاب إلى المحكمة العليا بهذه القضية، وأتمنى لك المزيد من التوفيق".
ثم نهض عن مقعده وخرج من الغرفة، ولم يتحدث إلي مجددا إلا بعد أن ذهبت إلى المحكمة مصطحبا إحدى القضايا.
وفي مقالي المقبل، سوف أسرد لكم كيف تدبرت أمري مع قضيتي الأولى في المحكمة العليا للعدل في لندن.