وسط كل المخاطر التي تواجهها مصر، وبينما كل شيء على كف عفريت كما يقولون، بما فيها انتخابات الرئاسة نفسها. يفاجئك البرلمان الذي تسيطر عليه أغلبية من الأحزاب الدينية (أو ذات المرجعية الاسلامية كما تطلق على نفسها) بقيادة الاخوان المسلمين، بمعركة جديدة يحاول فيها تجريد الأزهر الشريف من مكانته السامية في مصر والعالمين العربي والاسلامي!!.

تحت شعار «استعادة الدور التاريخي للأزهر الشريف» نفاجأ بمشروع قانون من هذه الأغلبية ينص على إلغاء الوضع القانوني الحالي للأزهر باعتباره «المرجعية الوحيدة» للشؤون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الدين الإسلامي.

وقد وصف شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب ما يحدث من محاولة لتعديل القوانين الخاصة بالأزهر الشريف بأنها تهدف إلى تجريد الأزهر من مكانته المرجعية التي اكتسبها على مدى ألف عام، وتحوله إلى مجرد مدرسة تعليمية، بل تسبب ــ على حد قوله ــ فراغاً تشريعياً وفوضى فكرية !!.

قد يبدو المشهد غريباً لمن لا يحيط بجوانب الصراع الدائر في مصر. فالأغلبية البرلمانية التي أعلنت الحرب على كل من طالب بالتأكيد على مدنية الدولة، والتي حكمت بتكفير كل التيارات الليبرالية والديموقراطية والقومية لمجرد أنها طالبت باحترام حقوق المواطنة والتأكيد على حرية الرأي والتعبير في الدستور الجديد..

هي نفسها التي تسعى لتجريد الأزهر من مكانته المرجعية كما يقول الإمام الأكبر. لكن الواقع يقول إن الصراع طويل ومستمر. فلوقت طويل كان الأزهر عصياً على الاختراق من جانب الجماعات المدنية المتطرفة، وهو أمر طبيعي لأسباب عديدة منها أن العلم بصحيح الدين يحصن الانسان من دعاوى التشدد والانحراف، ومنها أن الأزهر كان يقوم نموذجاً فريداً في قبول الآراء المختلفة، حيث المذاهب الإسلامية الرئيسة كلها تتم دراستها والاعتراف بها كمرجعية صحيحة.

ومنها أن الوسطية والاعتدال والتسامح كانت هي طابع المؤسسة الاسلامية الأكبر والأعرق. ومنها أن ألف عام من العلم والاجتهاد والتواجد في قلب الحركة الوطنية أعطت للأزهر مكانته التي مثلت حصناً للإسلام المعتدل وحامياً للوحدة الوطنية مع كل أطياف الأمة. ولا يعني ذلك أن قيادات الأزهر لم تتخذ في السنوات الماضية مواقف رأيناها مع غيرنا خاطئة، وكم هاجمنا مواقف للإمام السابق الراحل الدكتور طنطاوي وغيره من القيادات الأزهرية.

ولكن الخلاف معهم كان شيئاً والحفاظ على مؤسسة الأزهر ومكانتها كان شيئاً آخر نحرص عليه أشد الحرص. وعندما عين الدكتور الطيب شيخاً للأزهر كنا أول من طالبه بالتخلي عن مكانه في الحزب الوطني المنحل، والذي كان يشغله وهو رئيس لجامعة الأزهر، ورغم أننا نعرف أن وجوده في هذا الموقع الحزبي كان شكلياً، فلم يكن من الممكن استمراره فيه وهو الإمام الأكبر. بعد الثورة انفتح الصراع على أشده كجزء أساسي من الصراع على مستقبل مصر وهويتها.

ولعب الأزهر الشريف دوراً مهماً في محاولة التوصل إلى أسس ثابته تجمع فصائل الأمة. وأدار الإمام الأكبر حواراً مهماً مع المثقفين والسياسيين والمفكرين خرج بوثيقة الأزهر بالغة الأهمية التي حاولت وضع مبادئ أساسية تحكم الدستور الجديد وتقرب المسافات بين التيارات الدينية من جانب والتيارات المدنية من جانب آخر. وكان أهم ما أكدت عليه هذه الوثيقة هو الطابع المدني للدولة من خلال التوافق على قيام الدولة الوطنية التي تكفل الحقوق المتساوية لكل أبنائها والتي تقوم على تداول السلطة وتمنع التمييز بين مواطنيها.

ثم كانت خطوة أخرى ترافقت مع الهجمة على حرية الرأي ومحاولة وضع القيود على الابداع. فكانت وثيقة أخرى لا تقل أهمية أكد فيها الأزهر الشريف على موقف الإسلام الذي يعلي من قيمة العقل ويشدد على حرية الرأي والتعبير، ويشجع الإبداع والمبدعين، ويحض على البحث العلمي ويضمن له الحرية الكاملة باعتباره سبيلاً لرقي البشر وعمران الأرض وبناء الحضارة.

وفي الأيام الأخيرة، وفي مواجهة هجمة جديدة تحاول سلب المرأة في مصر كل ما حققته من مكاسب على مدى قرن من الزمان لتعيدها إلى عصر الجواري مرة أخرى، كان الأزهر الشريف يستعد لحوار من أجل وثيقة جديدة عن حقوق المرأة في الإسلام. في مقابل هذا الجهد كان الطرف الآخر يخوض معركته بكل الأسلحة، وكان الصراع من الأزهر يقتضي إما السيطرة عليه، أو تحجيم دوره.. ولم تتوقف المحاولات في الاتجاهين !! على مدى ألف عام لم تتوقف المحاولات لاختراق الأزهر ومحاصرة دوره، ولم ولن تنجح !!

ورغم كل ما مرت به مصر من ظروف وتطورات، فإنها لم ولن تسمح بعودة الخوازيق العثمانية أو حكم الإمام الغائب !! وردود الفعل بين ملايين المصريين على ظهور الرايات السوداء في أيدي المتطرفين تؤكد لكل من يرى ويفهم أنه مهما حدث في مصر فالطريق مغلق أمام المتاجرين بالدين والداعين للإرهاب !!. مصر الأزهر تعرف كيف تحافظ على صحيح الدين، وكيف تستعيد طريق الثورة.