في التجارب الديمقراطية الناشئة والمستقرة، باعتبارها الحل السياسي لمشكلة الصراع على السلطة بين القوى السياسية الملتزمة بقواعد اللعبة الديمقراطية، أو تلك الساعية للمغالبة بكل الوسائل المقبولة أو المرفوضة، في سوق دعائية للمزادات والمزايدات السياسية، وعلى امتداد ساحة مفتوحة للمعارك الدستورية والقانونية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في العالمين العربي والغربي.

في العالم العربي، ومع بواكير التجارب الديمقراطية الناشئة في أعقاب موجات الحراك الشعبي المطالبة بالحرية السياسية وبالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ورغم محاولات خارجية وداخلية محمومة لتعطيل مسار التحول الديمقراطي في مصر، بدأت الحملات الدعائية الساخنة لمرشحي الانتخابات الرئاسية المصرية التي ستجرى بعد عشرة أيام، في ظل أزمات ومفاجآت قانونية ودستورية مبررة ومقررة لعرقلة المسار، في ما يبدو صراعا على السلطة وأحيانا أزمات بين السلطات، بعد نجاح الإدارة العسكرية للبلاد في إجراء أول انتخابات برلمانية تعددية ديمقراطية، اتسمت بالحرية والنزاهة وبمشاركة شعبية غير مسبوقة في التاريخ المصري.

ويضاعف من هذه المشاكل والأزمات غياب عدة ثقافات، آن لها أن تكون حاضرة في المشهد المصري السياسي الآن للخروج من كل هذه الأزمات، أهمها؛ ثقافة الحوار على الفواصل المشتركة، وثقافة التوافق على الجوامع المشتركة، وثقافة إدارة الاختلاف بالائتلاف، وثقافة المسؤولية الوطنية باحترام الإرادة الشعبية والقواعد القانونية والدستورية.. والأهم منها غياب ثلاثة عوامل أساسية لأي عملية إعادة بناء لوطن، أولها غياب فقه الأهداف والغايات، وفقه الأولويات، والوسائل والآليات.

وفي الجزائر بدأت أمس أول انتخابات برلمانية تعددية ديمقراطية منذ عشرين عاما، بمشاركة أربعين حزبا سياسيا، في ظل الإصلاحات السياسية والاجتماعية التي أجراها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، بما حمى البلاد من موجة الانتفاضات الشعبية الغاضبة في الجارتين تونس وليبيا، وذلك بعد فشل التجربة الانتخابية التعددية الأولى عام 1991 في عهد الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، والتي ألغيت بضغوط سياسية غربية وعسكرية جزائرية رفضا لفوز الجبهة الإسلامية، مما أدخل الجزائر في نفق مظلم من الحرب الأهلية التي استمرت لسنوات، ولم تنته إلا على يد الرئيس بوتفليقة في إطار مبادرة "المصالحة الأهلية".

كما شهدت سوريا أول انتخابات تشريعية تعددية الاثنين الماضي، بمشاركة سبعة أحزاب ومقاطعة حزبين، رغم موجة العنف والاقتتال الدامي التي تشهدها البلاد، في أعقاب الإصلاحات السياسية التي أجراها الرئيس بشار الأسد بضغط الحراك الشعبي السوري المطالب بالحريات والعدالة السياسية، في محاولة من النظام السوري لاحتواء التوتر السياسي والعنف الأمني وتهيئة الظروف لبدء حوار وطني مع القوى السياسية المعارضة.

أما خارج الوطن العربي، فقد أدى فلاديمير بوتين اليمين الدستورية رئيسا لروسيا الاتحادية، عائدا إلى قصر الكريملن للمرة الثالثة، ومبشرا بحياة سياسية أكثر ديمقراطية وحياة اقتصادية أكثر ازدهارا، متبادلا مع رفيق رحلته الرئاسية الرئيس ميدفيديف، المقاعد ما بين رئاسة الحكومة إلى رئاسة الدولة، بما يشير لسياسة روسية أكثر ندية وحزما في التعامل مع الولايات المتحدة والغرب، خاصة في ملفات الدرع الصاروخي والأزمة السورية، وأكثر نشاطا على صعيد السياسة الخارجية في ظل تحالف وثيق مع الصين الشعبية، خاصة في ظل ظروف الأزمة الاقتصادية التي يعانيها الغرب.

وفي فرنسا، وقف الرئيس الفرنسي اليميني نيكولا ساركوزي يلقي كلمة الوداع لناخبيه، مقرا بالهزيمة وبتحمل مسؤوليته عنها، ليكون الرئيس الفرنسي الوحيد الذي لم يمنحه الشعب الفرنسي ثقته لدورة رئاسية ثانية، بينما فاز الرئيس اليساري الجديد فرانسوا هولاند، على أساس برنامج العدالة الاجتماعية، واستعادة المكانة الفرنسية في الاتحاد الأوروبي، ورفض التبعية لأميركا، وسحب القوات الفرنسية من أفغانستان، واحتفل بانتصاره في الانتخابات كثاني رئيس اشتركي بعد الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران، بفارق سبعة عشر عاما حكمت فيها أحزاب اليمين في الجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الجنرال التاريخي شارل ديغول.

هكذا ترجمت الانتخابات الرئاسية التقاليد الديمقراطية الفرنسية، بعد ممارسات شفافة في بلد الثورة الفرنسية، وقدمت للديمقراطيات الناشئة أكثر من درس في سلامة قوانين الانتخاب وسلامة إجراءاتها، وفي سلاسة العملية واحترام النتائج، خصوصا من الطرف المهزوم، وفي شجاعة المهزوم وفروسية المنتصر.