الذين يتابعون مجريات الأحداث المتسارعة في الوطن العربي الذي ننتمي له تاريخاً وحضارة وثقافة، يستعصي عليهم تحليل الوقائع والأحداث، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، بسبب تداخلها وتشابكها مع سيناريوهات إقليمية ودولية، يجرى الإعداد الجيد لها، حتى تصبح المنطقة كلها بؤرة مشتعلة، بل أكثر مناطق العالم اشتعالاً..
ولا غرابة أن يطالعنا مركز دراسات الوحدة العربية بكتاب صدر حديثاً بعنوان "الشرق الأوسط المتغير.. نظرة جديدة للديناميكيات العربية"، في محاولة لفهم وتحليل المنطقة، من خلال إلقاء نظرة شاملة على عناصر التغير والثبات، أي عامل التغيير المباغت الذي يأتي دون مقدمات.
كما الانفجار الكبير والتغيير الهادئ والبطيء. وكأن المشاركين في بحوث الكتاب رصدوا بدقة مأساة سوريا، التي صارت على مدى عام تتصدر نشرات أخبار فضائيات العالم، الذي يتابع بقلق ودهشة كيف يراق دم أبناء هذا الوطن العربى على أيدى من يتوجب عليهم حمايتهم.
وإذا أدرنا التلفاز تطالعنا مليشيات القبائل الليبية، التي نصبت نفسها وصية على النظام الجديد، وبسبب هذا الخلل الجسيم الناجم عن ضعف التجربة السياسية للحكام الجدد، وتباين وجهات نظر أعضاء المجلس الانتقالي، ما فتح الباب لزعماء العشائر لملء الفراغ والإيحاء بأنهم شركاء في إسقاط نظام حكم العقيد، ومن ثم فلابد أن تتاح لهم فرصة للممارسة السياسية، ولا أحد يعلم كيف تسير دولة تتقاذفها تيارات فكرية ذات مرجعية عشائرية.
ويرى بعض المحللين السياسين للمشهد الليبي أن المجلس الانتقالي يواجه تحديات كبيرة، ولا بد أن يحكم قبضته على سير الأحداث، وإلا فإن الحرب الأهلية ستجرى فوق سطح الصحراء الليبية.
وليس بعيداً عن الحدود الليبية، يتفاقم الصراع في مصر، في وقت اعتلى خشبة المسرح قياديون من تيارات إسلامية، بعد أن أزاحوا الشباب ونصبوا أنفسهم في غفلة من الزمن أوصياء على ثورة الشباب، بعد انتصارهم المحموم في المعركة الانتخابية، واحتلالهم المقاعد الوثيرة في مجلس الشعب، عوضاً عن زنزانات السجون التي خلت منهم تماماً.
في مصر يتمحور الصراع حول قضيتين أساسيتين، الأولى حول ضرورة الانتهاء من كتابة دستور جديد قبل نهاية يونيو المقبل، وهو الموعد المحدد لنهاية الفترة الانتقالية وتسليم السلطة من المجلس العسكري لرئيس منتخب، والشاهد أن القضية الأخرى مرتبطة بالأولى.. وهي مسألة ماراثون الرئاسة والهرولة للجلوس على "الكرسي"..
والذي لم يحسمه اجتماع المجلس الاستشاري مع المجلس العسكري ورؤساء 17 حزباً يتنافسون على لعبة الكراسي، وقوى سياسية أخرى في الساحة تطالب بتمثيل واسع في الجمعية التأسيسية.
والمعلوم أن "الإخوان" الذين يسيطرون على أغلبية البرلمان، قد نجحوا في تمرير قرار لم يكن أصلاً في البال، ويقضي بالعزل السياسي لرموز النظام السابق، إذ استبعدت اللجنة المشرفة على الانتخابات عشرة مرشحين أبرزهم وأقواهم نائب الرئيس السابق عمر سليمان.
والذي وافق على الترشح أخيراً بناء على رغبة فئة من أبناء الشعب، خرجوا يطالبونه بالترشح لرئاسة الجمهورية، لأنهم يرونه الأنسب والأقوى في الوقت الحالي لحكم مصر.. لكن تم ترتيب قرار عزله خوفاً منه، باعتباره العدو اللدود لجماعة الإخوان وكاشف أسرارهم القارئ لملفاتهم السرية.
ولا شك أن قانون العزل السياسي وضع المجلس العسكري في موقف لا يحسد عليه، ويبقى السؤال المطروح؛ إلى أين يجري نهر النيل بأمواجه المتلاطمة؟
والحديث عن نهر النيل يجرنا إلى السودان، حيث منابع النيلين الأزرق والأبيض، فهنالك أيضا تلوح نذر حرب بين دولتين كانتا حتى الأمس القريب دولة واحدة هي الأكبر في القارة الإفريقية. والسودان يكتسب قيمته ليس من كبر مساحته وتعدد موارده فحسب، ولكن أيضا وأساسا، لموقعه الاستراتيجي كجسر بين العالمين العربي والإفريقي، فهو يجاور تسع دول عربية وإفريقية.
ولكن السودان تحاصره مشكلات عدة أقعدته عن أن يلعب دوراً محورياً في المنطقتين، العربية والإفريقية، وكانت الضربة القاصمة بانفصال الجنوب، الذي لعبت قوى أجنبية دوراً رئيسياً في صياغة اتفاقية "نيفاشا"، التي جعلت الانفصال أكثر جاذبية من خيار الوحدة. وتم الانفصال بسرعة ليسمح بحلحلة الكثير من القضايا المعلقة، لعل من أهمها تبعية منطقة "أبيي" الحدودية، الغنية بالنفط واليورانيوم والثروة الحيوانية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن زيارة رئيس حكومة جنوب السودان إلى إسرائيل، مكنت حكومة الجنوب من الحصول على السلاح تحت غطاء المساعدات اللوجستية. والمعروف أن خبراء إسرائيليين يتواجدون في الجنوب. ولعل الزيارة التي قام بها وزير الخارجية المصري مؤخرا للخرطوم وجوبا، عبرت عن قلق مصر من تردي الوضع الأمني في بلدين يجري من أراضيهما نهر النيل عبوراً إلى مصر.
والمعلومات تفيد بأن إسرائيل تسعى لزعزعة الأمن المائي لمصر وغيرها من الدول العربية، ما يفتح الباب على مصراعيه لحرب قادمة، وستكون حرب مياه، ومصر قد تفرط في أي شيء إلا المساس بحقوقها في مياه النيل، ووجود إسرائيل في جنوب السودان سيسبب قلقاً لمصر، التي تعيش واقعاً سياسياً تتجاذبه أطراف عديدة، ناسية أن ما يجري في جنوب السودان بعد الانفصال يستحق إعادة النظر في الملف السياسي.
وهنا لا بد من الإشارة إلى ما كتبه "هنري كيسنجر" مهندس العلاقات الخارجية الأميركية ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي السابق، في صحيفة "هيرالد تريبون" عدد 2/4/2012، بما يفيد أن السياسة الأميركية تنطلق من محورين في الشرق الأوسط، هما: أمن النفط وأمن إسرائيل، وأن المبدأ الذي يدعم هذه السياسة هو منع ظهور أية قوة سياسية في المنطقة تستطيع تجميع المنطقة حولها.
وهذه الاستراتيجية ليست مبدأ أميركياً، ولكنه توجه أساسي تتبناه كل القوى الكبرى المحيطة بالمنطقة، والتي يهمها في المقام الأول حماية مصالحها، وفي سبيل ذلك فهي تدعم أي جهود لتمزيق أوصال الوطن العربي، بل وتفتيته إلى دويلات.. وها هي الأصوات تتعالى هاتفة بمصر العربية، ومصر القبطية، ومصر النوبية..
وكل الدلائل تشير إلى أن مشروع الشرق الأوسط الكبير تجري هندسته بدقة، لرسم خارطة جديدة لإقليم يجري العمل لتفتيت بعض دوله والهيمنة على دول أخرى، باحتلالها بالوصاية وإقامة تحالفات، أو إنشاء قواعد عسكرية في أراضيها بحجة حمايتها، بينما المقصود حماية المصالح الغربية لضمان انسياب تدفق النفط.. والغافل من ينخدع بظواهر الأشياء.
ومن هنا نتساءل معكم؛ وطننا العربي إلى أين؟!