أشد المتشائمين لم يكن في إمكانه أن يتصور المشهد الكارثي الذي تواجهه ثورة بعد أربعة عشر شهراً من انتصارها. حاله عبثية يتساقط فيها القتلى والجرحى، وتتزايد الأسئلة حول مصير انتخابات رئاسية مقررة بعد ثلاثة أسابيع فقط ! ويغيب الرشد السياسي عن الجميع، وتبدو كل أطراف الصراع وكأنها مهمومة بمصالحها الخاصة على حساب وطن لم يعد قادراً على الاستمرار في نزف دمائه.
تآمر الجميع من البداية على شباب الثورة. بدلاً من إتاحة الفرصة أمامهم من خلال فترة انتقالية هادئة وغير متسرعة، تمهد الطريق أمام هذا الشباب لاكتساب الخبرة السياسية وممارسة الأنشطة النقابية والاجتماعية والاستعداد للتنافس على القيادة في المرحلة القادمة..
بدلاً من ذلك،تم حصارهم واستنزاف جهودهم، بينما كانت الصفقات تتم لتسليم السلطة للورثة الجدد من الجماعات الدينية وفي مقدمتها الإخوان المسلمون من خلال انتخابات سريعة تم فيها السماح بالأحزاب الدينية بالمخالفة للدستور.
وتحولت فيها منابر المساجد إلى منصات للدعاية الانتخابية، وتحول فيها المعارضون إلى كفار وملحدون وخارجون على الدين.. بفتاوى لم تصدر لوجه الله، بل لوجه الانتخابات!! و القصة بعد ذلك معروفة.. تخبط في إدارة المرحلة الانتقالية، وصراع السلطة بين المجلس العسكري والإخوان.
وصراع على دستور الدولة بين الأحزاب الدينية والقوي المدافعة عن مدنية الدولة، واستعراضات للقوة (أو للضعف) بين حكومة مقيدة وبرلمان عاجز. وأوضاع اقتصادية تسوء ومستقبل محفوف بالمخاطر. وانتخابات رئاسية يفترض أن تتم بعد ثلاثة أسابيع، ومخاوف من فراغ خطير إذا لم تتم الانتخابات، وصدر الحكم القضائي المنتظر ببطلان انتخابات البرلمان!! في ظل مثل هذه الأوضاع، كان الأمل أن تحس كل الأطراف بالخطر.
وأن تسعى إلى توافق يعبر بمصر إلى بر الأمان. ولكن ما حدث كان شيئاً آخر، حيث كل فريق سجين مصلحته الخاصة، وحيث روح المسئولية الوطنية مازالت هي الغائب الأكبر. وهو ما يتجلي تماماً في أحداث العباسية التي تنذر بأشد المخاطر، وتعبر تماماً عن سيطرة عبث الصغار على مستقبل الوطن.
مرشح استبعدوه من انتخابات الرئاسة بسبب حصول أمه على الجنسية الأمريكية. من حقه أن يعترض وان يغضب. ولكن أن يهدد بحرق الوطن وأن يرسل أتباعه لمحاصرة وزارة الدفاع حيث مقر المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فهذا هو العبث المجنون بلا شك .
وان يشعر الإخوان المسلمون بالخطر، لأن الحكم ببطلان انتخابات البرلمان يفقدهم مركز قوتهم، ولأن محاولتهم للسيطرة على لجنة الدستور قد انتهت بصدام مع باقي القوى السياسية وبحكم قضائي بحل اللجنة، وبإرغامهم على وضع معايير جديدة وملزمة لتشكيل اللجنة الجديدة، فهذا طبيعي، ولكنه وحتى إذا برر تراجعهم عن وعدهم بعدم تقديم مرشح للرئاسة.
فإنه لا يبرر محاولة تعطيل انتخابات الرئاسة لأن حظوظ هذا المرشح ليست كبيرة، ولا يفسر تبديد جهد البرلمان في معركة خاسرة لإسقاط الحكومة، ولا يقنع أحداً بمطالب تعديل الإعلان الدستوري الذي رقصوا فرحاً عند صدوره، ثم ينقلبون عليه الآن بعد ان تصادم مع مصالحهم. المجلس العسكري يؤكد أنه ملتزم بنقل السلطة في موعدها في نهاية يونيو، بل ويلمح إلى إمكانية نقل السلطة في نهاية مايو إذا استطاع احد المرشحين للرئاسة حسم المعركة من الجولة الأولى (وهو أمر مستبعد) وبالتالي فهو لا يجد أي معنى للقول بأن هدف الاعتصام والتظاهر الآن هو تسليم السلطة للمدنيين في موعدها!!..
ويؤكد المجلس أيضاً أنه لا يمكن أن يقوم بانقلاب جديد كما يزعم البعض. في المقابل.. يشير الإخوان المسلمون إلى مخاوفهم من تكرار تجربة 1954 التي اصطدموا فيها بعبد الناصر فخسروا كل شيء، ويبدو أن هذه «العقدة» تحكم تصرفاتهم، خاصة بعد أن تراجعت شعبيتهم بعد فوزهم في الانتخابات البرلمانية، ومع احتمال خسارتهم للمعركة الرئاسية وحل البرلمان في وقت واحد.
وتستمر الصراعات بين الطرفين، وأيضاً مع باقي أطراف اللعبة السياسية الدائرة، دون انتباه إلى الخطر الحقيقي وهو اتساع الفجوة بين صراعات هذه النخبة بكل أطيافها، وبين هموم المواطن العادي الذي فقد الثقة في الجميع. هذا المواطن يتحرك حتى الآن في تحركات احتجاجية فئوية في معظم الأحيان للحصول على بعض الحقوق التي حرم منها. ولكن الخطورة ان الأمر يصبح ــ يوما بعد آخر ــ أكثر اتساعاً من ذلك.
قبل ثلاثة أسابيع من انتخابات حاسمة لأول رئيس للجمهورية بعد الثورة، تبدو برامج «التوك شو» التليفزيونية المشغولة باستضافة المرشحين بعيدة عن اهتمامات الناس وهمومهم التي أصبحت فوق الطاقة. ويبدو المشهد كله وكأنه ليس اقتراباً من 54 التي يخشاها الإخوان، بل من 52 التي انتظرها الناس بعد إفلاس كل القوى السياسية على الساحة في تقديم شيء جاد للوطن، وانشغالهم بصراعاتهم الصغيرة عن المخاطر الداخلية والخارجية.
ربما اكتب ذلك تحت تأثير حريق هائل في إحدى الشركات بالقرب من قصر الرئاسة، سبقته سلسلة من الحرائق الهائلة في منشآت صناعية وتجارية كبيرة في مختلف أنحاء مصر. يذكرك المناخ بحرائق يناير قبل شهور من تحرك الجيش في يوليو 52(!!) الحريق الأخير لا يبتعد كثيراً عن مقر الاعتصام أمام وزارة الدفاع. وزارة الدفاع كانت مسرح الأحداث ليلة 23 يوليو. الكل يتحدث عن 54 وينفي التفكير فيها. الأحداث تقول: إما التوافق الوطني لعبور المحنة، وإما السير في طريق يضع الجميع أمام خيارين.. الفوضى العارمة أو الانقلاب!!
راقبوا المشهد الحقيقي، مشاعر الغضب مما يحدث تجتاح الجميع، الشهداء يسقطون في صراع عبثي صغير. وزارة الدفاع تحت الحصار الأكثر عبثاً، بينما التهديدات الإسرائيلية تتوالى ورئيس وزرائها يتحدث عن فوضى في سيناء لابد من مواجهتها، ووزير خارجيتها يقول إن الخطر الحقيقي على إسرائيل هو مصر وليست إيران.
إلى متى يمكن أن يستمر هذا الارتباك؟ هذا هو السؤال الذي ينتظر الإجابة، وأظن أن انتظار الإجابة لن يطول!