لم يكن مفاجئاً أن تحصد دولة الإمارات العربية المتحدة، المركز السابع عشر دولياً في أول مسح من نوعه أجرته الأمم المتحدة على مستوى دول العالم، لقياس مدى الرضا والسعادة المحرزة جراء تحسن الخدمات الاجتماعية وصولاً للرفاهية الاجتماعية.
إن حصولنا على هذه المراكز المتقدمة لم يحدث نتيجة لتحيز أو محاباة من هذه المنظمة الدولية، التي درجت على تكليف إحدى وكالاتها المتخصصة لإجراء المسوح والأبحات المعمقة، حول مئات القضايا المحورية.
وأذكر أننا سبق أن أشرنا في مقالة سابقة إلى التقدم الذي أحرزته دولة الإمارات، إذ قفزت من المركز 49 لتحتل المرتبة 33 بين دول العالم.
كما جاء في تقرير التنمية البشرية لعام 2011، الصادر من البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، ولم يكن مفاجئاً لنا نحن المواطنات أن تتبوأ دولة الإمارات المركز السابع عشر في هذا المسح الدولي الأول من نوعه، حول مؤشر السعادة والرضا بين شعوب العالم، وكذلك لم يكن مفاجئاً لنا أن تحرز دولتنا الناشئة هذا الموقع المتقدم، متجاوزة دولاً أخرى في القارات الخمس.
والذين تابعوا مسيرة نهضة دولتنا التي أرسى دعائمها المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخوه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، يدركون حجم الجهد الذي بذلته القيادة الرشيدة للارتقاء بمجتمع الإمارات، وكيف أمكن تحويل أرض يباب قاحلة إلى واحة خضراء، تغرد في أفيائها طيور الكناري، وينبعث من حدائقها عبق الرياحين، بل كيف أمكن النهوض بالرجل والمرأة والطفل.
وكيف تحولت الأسرة الإماراتية بأكملها إلى أسرة منتمية إلى مجتمع التنمية المستدامة.. والمعلوم أن الأمم المتحدة تجري مئات الأبحاث التي تهم الجنس البشري، وعادة يتم تكليف أساتذة جامعات وخبراء دوليين للقيام بهذه الدراسات، التي تتبع فيها منهجية علمية مدعومة بإحصاءات موثوق بها، يتولى جمعها فريق عمل مكلف، غالباً ما يتبع لمركز الأمم المتحدة للبحوث الاجتماعية، وقد جاءت نتائج هذا المسح نتيجة لهذه الجهود.
أعود لأقول إن الشعور بالرضا والسعادة حالة نسبية كما يرى علماء النفس، ولذا من العسير الجزم بمدى ومستوى سعادة مجتمع بأكمله، نظير إشباع حاجات أفراده المادية والمعنوية، ولكن مؤشرات قياس السعادة والرضا تعتمد على درجة الرفاهية الاجتماعية التي انتهت إليها حالة المجتمع، نظير جهود الدولة في إنجاز مشروعات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
ومن هذا المنطلق واستناداً للتقارير المنشورة، فإن دولة الإمارات استطاعت بفضل جهود ومتابعة القيادة الرشيدة، تحقيق أعلى معدلات النمو الاقتصادي الذي ترافقت معه درجات متقدمة في مستويات الخدمات الاجتماعية، خصوصاً في ميادين الصحة والتعليم والبيئة، لذا ليس مستغرباً أن ينسجم ما تحقق من تنمية مستدامة في بلادنا في أربعة عقود، مع مؤشرات المسح الذي صدر مؤخراً.
ويكفي القول إن الناتج المحلي الإجمالي للدولة تجاوز دول النمور الآسيوية، كما أن دخل الفرد في الإمارات بقي في صدارة دول المقدمة، وأن قطاع البنية التحتية احتل نفس الموقع، شأنه شأن قطاع الخدمات اللوجستية، ويسير في ذات الاتجاه قطاع الخدمات العامة كالصحة والتعليم.
ومن جهة أخرى نجد أن المرأة الإماراتية، وهي تشكل نصف المجتمع، ارتقت وصعدت أعلى مراحل السلم، وتقلدت أعلى المناصب وصارت عضوة منتخبة في الهيئة التشريعية، كما تبوأت رتباً قيادية في الأجهزة التنفيذية والنظامية وقطاع الصحة والتعليم، وهنالك مئات من بنات الإمارات المبتعثات للدراسات الجامعية والعليا في شتى بلاد العالم، وأكثرها تقدماً.
حيث تنفق الدولة الملايين لتعليمهن وإعاشتهن ورعايتهن. وما زلت أذكر الحفاوة التي استقبلتنا بها "أم الإمارات" سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، إبان زيارتها الأخيرة للقاهرة (بداية ترؤسها لمنظمة المرأة العربية)، والتي كانت فيها حريصة كل الحرص على لقاء بناتها الدارسات في كافة محافظات جمهورية مصر العربية اللاتي توافدن لرؤيتها.
وقد حظيت بشرف الجلوس بمعيتها وتبادل الحديث مع سموها، وذلك بحضور الأخوات الفاضلات معالي مريم محمد خلفان الرومي وزيرة الشؤون الاجتماعية، والدكتورة فاطمة العامري الملحقة الثقافية لسفارة دولة الإمارات في جمهورية مصر العربية، وذلك في شهر إبريل عام 2007 في مقر إقامتها في قصر القبة، ولم نبارح القصر إلا بعد أن ودعتنا وداع الأم الحنون على بناتها.
وزودتنا بتوجيهاتها ونصائحها، ووجهتنا إلى استمرار التواصل معها. هذه الأم المفخرة "أم الإمارات"، التي أعلت شأن المرأة الإماراتية وصعدت بها ومعها كل درجات التطور، بعزيمة وإرادة ومبادرات لم تتوقف على مدى أربعة عقود.
ومن هذا المنطلق واجب علينا أن نهدي براءة مؤشر السعادة والرضى إلى "أم الإمارات"، تقديراً وإكراماً وعرفاناً لأياديها البيضاء، ولمواقفها الثابتة وانحيازها الدائم لقضايا المرأة والأسرة والطفل.. "فالفضل ما جادت به طيب المآثر".