ولا تتوقف المفاجآت في الأحداث داخل مصر وهي تقترب ــ كما هو مفترض ــ من انتخابات رئاسية تنتهي الفترة الانتقالية وتسلم مقاليد الحكم للسلطات المدنية المنتخبة، وكما كانت المفاجأة بدخول الرجل القوي في جماعة الإخوان المسلمين خيرت الشاطر سباق الرئاسة بعد تكرار التأكيدات بعدم منافسة الجماعة على رئاسة الدولة، وكما كانت المفاجأة الأشد بدخول الرجل القوي في النظام السابق عمر سليمان مدير المخابرات العتيد ونائب الرئيس لأيام قليلة قبل سقوط النظام..
تكتمل المفاجآت بقرار اللجنة العليا للانتخابات باستبعاد الاثنين من سباق الرئاسة ضمن عشرة مرشحين تم استبعادهم كان من أبرزهم ــ بالإضافة إلى سليمان والشاطر ــ المرشح الظاهرة في هذه الانتخابات حازم أبو إسماعيل، الذي كان عضواً في «الإخوان المسلمين» واستقال ليترشح مدعوماً من تيارات سلفية وبإمكانيات مادية كبيرة حتى إنه تقدم للترشيح ومعه 160 ألف توكيل من المواطنين في حين كان مرشحون بارزون يكافحون لاستكمال النصاب المطلوب وقدره ثلاثون ألف توكيل.
الرأي العام بصفة عامة استراح لاستبعاد الثلاثة البارزين (سليمان والشاطر وأبو إسماعيل) على أساس أن ذلك يجنب البلاد شر انقسام كبير وصدام محتمل، لكن ردود فعل الأطراف الثلاثة كانت متفاوتة.. عمر سليمان تصرف (كما هو منتظر) بانضباط كبير، وأعلن التزامه بالقانون رغم التساؤلات التي أحاطت بحقيقة أسباب استبعاده.
حيث كان السبب الرسمي المعلن هو نقص 31 توكيلا من التوكيلات المطلوبة في إحدى المحافظات وقدرها ألف توكيل على الأقل، وهو خطأ من الصعب أن تقع فيه حملة رجل مخابرات بارز، ولكنه حدث.
في المقابل.. فتح «الشاطر» النار على المجلس العسكري واللجنة العليا للانتخابات، رغم ان جماعة «الإخوان المسلمون» كانت مستعدة لهذا الاحتمال، وتقدمت بمرشح احتياطي للشاطر هو رئيس حزب الحرية والعدالة الدكتور محمد مرسي. وكذلك فعل أبو إسماعيل الذي حّول قضية جنسية أمه إلى مؤامرة أمريكية لاستبعاده، وأعلن الاعتصام مع أنصاره، رافضاً أي نصح حتى من أقرب حلفائه من الجماعات السلفية.
الخطير هو تصاعد الدعوة للعنف واستخدام الخطاب المحرض على ذلك في صفوف الجماعات الإسلامية، فالشاطر يعلن اللجوء للكفاح المسلح في تصريحات علنية تراجع عنها بعد ذلك، وقادة بارزون في الجماعة يصفون أعضاء المجلس العسكري بأنهم «كفار قريش»، وأبو إسماعيل وأنصاره يدعون للاستشهاد، ويقولون إنهم ذاهبون لبدء الثورة الثانية، مع أنهم لم يشاركوا في الأولى، واعتبروها خروجاً على الشرعية.
والخطر هنا شديد، لو تذكرنا حديث رئيس الوزراء الجنزوري عن دخول مليون قطعة سلاح مهربة معظمها من الحدود الليبية، ولو فطنا أنه في آخر ظهور لأبو إسماعيل وسط أنصار المعتصمين أمام مقر اللجنة العليا للانتخابات والتي وزع فيها الاتهامات بالخيانة والتآمر حتى على زعماء الحركات السلفية الذين طالبوه بالتعقل، في هذا الظهور كان بجانبه على المنصة المتهم الأول في أحداث إمبابة الطائفية في العام الماضي.
شرارة العنف إذا انطلقت سوف يكون أول من يكتوي بنارها هم من أطلقوها. ولهذا تتواصل الجهود لتهدئة الموقف خاصة في ظل مناخ انتخابات رئاسية يفترض أن تتم خلال أسابيع إذ يتوقع مفاجآت لم يعد وقوعها مستغرباً في مصر هذه الأيام، والتطور الأبرز في هذا الاتجاه كان تحرك المجلس العسكري في محاولة لعبور الأزمة المتعلقة بلجنة الدستور التي حكم القضاء ببطلان تشكيلها الذي كان يسيطر عليه تحالف الإخوان والسلفيين.
وفي اجتماع للقيادة العسكرية مع ممثلي الأحزاب والقوى السياسية كان المشير طنطاوي حاسماً في ضرورة وضع الدستور قبل انتخاب الرئيس، ودعوة الأحزاب والقوى السياسية للتوافق على تشكيل جديد للجنة للانتهاء من الدستور في الموعد المحدد.
ورغم موافقة كل القوى السياسية على ذلك في الاجتماع (بمن فيها الإخوان المسلمون) فقد عادت الجماعة للهجوم على هذا الأمر، واتهمت المجلس العسكري بالتدخل فيما لا يعنيه، وبالتخطيط للبقاء في السلطة بعد الموعد المحدد لنهاية المرحلة الانتقالية في نهاية يونيو القادم، وتأجيل انتخابات الرئاسة حتى يتم إعداد الدستور، وهو ما نفاه المجلس العسكري، وربما تتضح المواقف كلها في اجتماع اليوم بين المجلس العسكري والأحزاب والقوى السياسية لاتخاذ قرار نهائي لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في اللقاء السابق.
والأرجح هنا أن المجلس العسكري ما كان يطرح هذا التصور إلا إذا كان جاهزاً بمشروع مقترح للدستور الجديد يضمن من خلاله تحقيق ما سبق ان أعلنه من أن «مدنية الدولة خط أحمر» ويضمن أيضاً نظاماً للحكم يحتفظ للرئاسة بالجزء الأكبر من السلطة التنفيذية حتى لا تقع تحت هيمنة البرلمان بتشكيله الحالي، ثم تضمن وضع المؤسسة العسكرية في الدستور الجديد.
والأكيد أيضاً أن «الإخوان المسلمون» وحلفاءهم لديهم مشروعهم الخاص للدستور الجديد، وأنهم سيقاومون ضغوط المجلس العسكري لوضع معايير تشكيل لجنة الدستور حتى يضمن عدم هيمنتهم على اللجنة كما حدث في تشكيلها السابق.
إننا أمام فصل جديد حاسم من صراع السلطة في مصر. ورغم التأكيدات فإن الغموض يحيط بمعركة الرئاسة، وبدستور يفترض أن يتم إقراره قبل شهرين بينما اللجنة التي ستعده لم يتم تشكيلها حتى الآن، ولم توضع معايير تشكيلها بالأساس. والمفارقة في هذا الصراع ان الطرفين الأساسيين فيه(المؤسسة العسكرية والإخوان المسلمون) قد تراجع نفوذهما كثيراً في الشهور الأخيرة بسبب الأخطاء التي تم ارتكابها.
لكن المفارقة الأهم ان هذا التراجع لم يصب في صالح أي طرف آخر، فقوى الثورة منهكة، والقوى المدنية منقسمة، وجهود تكوين كتلة قوية بعيداً عن طرفي الصراع مازالت تتعثر. وفي ظل هذه الأوضاع يظل الكثير من الأسئلة ينتظر الإجابة، وتظل الشواهد كلها تؤكد أن المفاجآت الكبرى لم تحدث بعد.