واحد من المشاهد الأكثر خلودا في وجداني منذ طفولتي وحتى اليوم ،هو ذلك المشهد الشعبي المصري الحاشد في الخامس من يوليو عام 62 الذي رأيت فيه لأول مرة الزعيم الوطني الجزائري والمناضل الثوري العربي أحمد بن بيللا الذي رحل بجسده عن المشهد السياسي إلى رحاب الله في الأسبوع الماضي، وبقي في الوجدان الإنساني برصيده النضالي والإنساني والفكري مصدر إلهام لكل الوطنيين والثوريين الأحرار في العالم.

حدث هذا في القاهرة، المحطة الأولى لاستقبال الأبطال الجزائريين الخمسة، خيضر وبوضياف وبيطاط وآية أحمد، من السجن إلى الحرية في يوم إنهاء الاحتلال والتسليم بالاستقلال، بعد كفاح وطني طويل توجته «ثورة المليون شهيد» التي أعلن بن بيللا انطلاقها بصوته من إذاعة صوت العرب بالقاهرة في الفاتح من نوفمبر عام 1954، والتي دامت سبع سنوات حافلة بالتضحيات والبطولات بعد استعمار استيطاني فرنسي بغيض كان الأطول عمرا على مدى132عاما.

في قلب ذلك المشهد المهيب كان عبد الناصر وبن بيللا أبرز رموز النضال العربي، ومن خلفهما أبطال الثورة الجزائرية يقفون بشموخ الأحرار في سيارة مكشوفة تشق طريقها من المطار إلى قصر الضيافة، ويلوحان لجماهير الشعب المصري التي خرجت لاستقبال الأبطال في غمرة فرحة الانتصار تهتف للحرية وبسقوط الاستعمار، الحماس الشعبي الفوار لذلك الجيل الثائر، انتصارا للحرية وشعورا بالوحدة العربية في تلك الفترة الذهبية من تاريخ النضال العربي لم يكن نابعا من فراغ، وإنما من قناعات فكرية بثوابت قومية ووطنية أرستها مبادئ ثورة يوليو المصرية، ورسختها في الوجدان المصري والعربي مواقف قائدها عبد الناصر، بأن الحرية العربية لا تتجزأ، وأن النضال العربي والنهضة العربية لا تتجزأ، وأن الوحدة العربية هي هدف النضال الشعبي العربي.

بينما كانت الجزائر العاصمة في ذلك اليوم التاريخي تعيش مشهدا شعبيا موازيا أكبر حشدا وأكثر فرحة، حيث ملايين الشعب الجزائري وفي مقدمتهم العقيد هواري بومدين القائد العسكري للثورة الجزائرية، والمناضل السياسي الشاب عبد العزيز بوتفليقة وقيادات جبهة التحرير الوطني الجزائري يشهدون بأعينهم الدامعة بالفرحة في يوم الاستقلال العظيم نزول علم الاحتلال الفرنسي وارتفاع علم الاستقلال الجزائري في سماء العاصمة الحرة في مشهد رمزي مثير، إعلانا بأن النصر مع الصبر، وأنه بعد كل ليل صباح، وإيذانا بغروب شمس الاحتلال وإشراق فجر الحرية.

كان ذلك المشهد التاريخي واصلا بين مرحلتين سابقة ولاحقة ولكل مرحلة منهما تكاليفها ومعاركها ومشكلاتها، إذ كان يمثل المشهد الأخير لمشاهد كثيرة في نهاية مرحلة الكفاح الثوري من أجل الاستقلال والتحرر الوطني، والمشهد الأول لمشاهد كثيرة في بداية مرحلة البناء الوطني من أجل التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبناء مؤسسات الدولة الحرة الوليدة انتقالا من عهد الثورة بكل تضحياتها إلى عهد الدولة بكل متطلباتها.

وهكذا، مع بداية عهد الاستقلال اختار الشعب الجزائري عام 1963 المناضل أحمد بن بيللا الذي مثل البريق السياسي للثورة الجزائرية كأول رئيس منتخب للجمهورية الحرة المستقلة، وهو الذي اختار بدوره المجاهد هواري بومدين الذي مثل البريق العسكري للثورة الجزائرية قائدا عاما للجيش الوطني وزيرا للدفاع، والمناضل الشاب عبد العزيز بو تفليقه كوزير للخارجية فكان أصغر وزراء الخارجية في العالم، ووزع مناضلي الثورة وأبطالها على المواقع الوزارية والسياسية والبرلمانية والدبلوماسية.

لكن اختلاف الاجتهادات والتوجهات والأيديولوجيات بين رفاق الثورة ما لبث أن تكشف، فانقلب الرفاق من الوفاق إلى الشقاق، ومن الثقة إلى الشكوك، ومن الوحدة الثورية إلى سلسلة من الخلافات السياسية والمواجهات العسكرية بلغت ذروتها في ذلك اليوم الفارق من يونيو عام 1963، حين قاد بومدين وبوتفليقة انقلابا عسكريا أبيض، ووضعوا الرئيس بن بيللا في السجن، ولم يطلق سراحه إلا بعد وفاة الرئيس بومدين في عام 1980 بقرار من الرئيس الشاذلي بن جديد، ليستأنف بن بيللا نضاله السياسي من جديد من منفاه الاختياري دفاعا عن الحقوق والحريات الإنسانية والسياسية للشعب الجزائري مؤسسا في سويسرا «الحركة الديمقراطية».

وبعد عشر سنوات من المنفي عاد إلى الجزائر مع حقبة الانفتاح السياسي للرئيس بن جديد، ليواصل نضاله السياسي مشاركا في الانتخابات الجزائرية التي فازت فيها جبهة الإنقاذ الإسلامية، لكن انقلابا عسكريا صامتا على بن جديد أدي إلى إلغاء نتائج الانتخابات وبداية حقبة الجنرالات ونزف الدماء، فغادر بن بيللا الجزائر احتجاجا ـ ولم يعد إليها إلا بعد عودة صديقه اللدود ورفيق كفاحه الرئيس عبد العزيز بو تفليقة من منفاه الاختياري بالإمارات العربية وتوليه الرئاسة بانتخابات حرة، داعيا الزعيم بن بيللا لمشاركته في بناء عهد جديد من المصالحة الوطنية خروجا من الحرب الأهلية التي امتدت لسنوات.

ويعود دور بن بيللا السياسي ليسطع من جديد من الجزائر إلى أفريقيا كرئيس للجنة حكماء أفريقيا، وباعتباره من رموز القارة الناهضة واحدا من أبرز القادة المؤسسين لحركة النضال من أجل الحرية والوحدة الأفريقية مع عبد الناصر ومانديلا وغيرهم، حتى أسلم الروح إلى بارئها ،عن عمره المديد (96 عاما ) من الكفاح والنضال من أجل وطنه وأمته العربية والإسلامية وقارته الإفريقية.

لتبقي آخر كلمات الزعيم الراحل المضيئة لجريدة الأهرام المصرية عاكسة اهتمامه حتى آخر العمر بقضايا الأمة العربية في فلسطين وسائر الوطن العربي قائلا :( لست أظن أن هناك من نضال يفوق شرفا نضال الفلسطينيين الذين يقاومون المحتل منذ ما يزيد على قرن من الزمان ولا يزال يجد القوة على متابعة الكفاح.. إن تحرير الجزائر هو بشير تحرير فلسطين).

و يقول بن بيللا للمصريين : أدعو مصر أن تحاور مصر وما يحدث فيها مرحلة عابرة فهي الحلقة الجوهرية في أي رؤية للمستقبل، بدون مصر لا وحدة عربية ولا دور عربي فاعل، وعلى مصر أن تسترد عافيتها سريعا.

وعن جمال عبدالناصر قال بن بيللا : ناصر هو الذي أدرك منذ البداية أبعاد ارتباط مصر بمحيطها الجغرافي والتاريخي والديني, ومن هنا صارت لمصر مكانة ريادية في عهده في العالم العربي والقارة الأفريقية والمجتمع الدولي وأنا وفي لفكر عبد الناصر لأنني اعتبره رجلا عظيما أسهم في دعم الثورة الجزائرية.

رحم الله عبد الناصر قائد ثورة يوليو المصرية التي حررت مصر من الاحتلال الانجليزي، ورحم الله بن بيللا قائد ثورة نوفمبر الجزائرية التي حررت الجزائر من الاحتلال الفرنسي.