من الطبيعي أن الطموح الأكبر لكل من يدرس لغة أجنبية، هو الأمل في أن يصبح في يوم من الأيام خبيراً مهماً بتلك اللغة، حيث يؤخذ كأحد السكان الأصليين لتلك البلاد التي نمت فيها هذه اللغة وتطورت. لكن المشكلة تبرز، على سبيل المثال، إذا حدث أن هذا الشخص ولد سودانياً، حينها من المستحيل أن يعد رجلًا إنجليزياً مهما كان ضليعاً في اللغة الإنجليزية. وهكذا كان الوضع بالنسبة لي في ما يتعلق بمعرفتي باللغة العربية، فمن كان سيظن أني عربي، فيما أبدو مثال الرجل الإنجليزي.
لكن صدف في أحد الأيام أنني كنت في رحلة طويلة في سيارة أجرة، وقد جلست كالعادة في مقدمة السيارة إلى جانب السائق. وكان السائق سعيداً بالطبع لوجود شخص إلى جانبه يمكنه التحدث إليه باللغة العربية، وحدث أن سائق سيارة الأجرة قارئ جيد في اللغة العربية، فدخلنا في نقاشات مطولة حول الأديبين يوسف إدريس وتوفيق الحكيم. وبعد الوصول إلى مقصدنا، وفيما أنا استدير وأهم بدفع أجرته، قال لي سائق سيارة الأجرة فجأة.
وكنا قد انتهينا من التحدث عن لعبة كرة القدم: "أتعلم، إنك تشبه طبق الأصل مدرب فريق الأهلي". فأجبته على سبيل المزاح: "ومن قال لك إنني لست مدرب فريق الأهلي؟"، أجابني بعد ضحكة مقتضبه: "مدرب الأهلي خواجة". وخواجة بالطبع كلمة محلية يقصد بها شخص أجنبي، وإجابة الرجل كانت تعني أنه شعر بأنني مصري. ولقد فوجئت بالأمر، وسررت لأنه اعتبرني مصرياً.
وأذكر أنني في مناسبة أخرى، كنت للتو قد وصلت بالطائرة إلى القاهرة حيث فقدت إحدى حقائبي. وكنت أشكو إلى إحدى الفتيات في المكتب الرئيسي التي استفسرت مني عن الموضوع باللغة الإنجليزية قائلة: "هل بإمكاني المساعدة؟"، وكنت قد أجبتها طبعاً باللغة الإنجليزية وشرحت لها أن حقيبتي ضاعت بطريقة ما على الطريق. وما كدت أنهي كلامي حتى دخل رجل إلى المكتب، من الواضح أنه رئيسها، واستفسر من الفتاة باللغة العربية قائلًا: ما المشكلة؟ ولقد أجابت الفتاة باللغة العربية أيضاً وقالت له: "
هذا الرجل السخيف يحاول لومنا لفقدانه حقيبته". فقمت هذه المرة بالتحدث إليها باللغة العربية وقلت: "قبل أن تنعتيني بالسخيف في لغة تشعرين بالثقة أني لن أفهمها، ابحثي لي عن الحقيبة أولًا، ثم قولي ما شئت، بأية لغة تختارين". ارتبكت الفتاة واعتذرت مني، وقد تم العثور على حقيبتي بالصدفة، وسلمت لي في غضون دقائق.
وكنت قد ذهبت في أحد الأيام مع بعض الأصدقاء إلى بغداد، وكانت هناك رغبة لدي في البقاء، لكن تأشيرتي كانت على وشك الانتهاء. لذا اقترحوا علي الذهاب إلى المكتب المحلي وتمديد التأشيرة، ونصحوني قائلين: "أحرص على عدم التحدث باللغة العربية".
عند وصولي إلى المكتب، ألقيت التحية على المدير باللغة الإنجليزية وأوضحت له أنني أحتاج إلى تمديد تأشيرتي.
قال لي المدير: "اعطني جواز سفرك". تصفح الصفحات ومن ثم أدلى بالملاحظة التالية قائلًا: "هل سبق أن جئت إلى بغداد من قبل؟".
وافقته الرأي بأنني أتيت منذ عدة سنوات، ثم سألني عن اسم العائلة. فأجبته: "جونسون ديفز".
فاستدار الرجل نحو زملائه في الغرفة وعلق قائلًا، باللغة العربية طبعاً، إنه سألني عن اسم عائلتي وإنني أجبته بذكر اسمين مختلفين.
قال لي: "ما اسم عائلتك؟"، مشدداً بنبرة عالية على كلمة "العائلة".
أجبته: "لدي اسمان"، من دون الإشارة إلى أن عرباً كثراً لديهم اسما عائلة أيضاً.
قال: "يبدو أن هذا الرجل حمار، أسأله عن اسم فيعطيني اسمين مختلفين". ثم استدار نحوي وسألني: "ما اسم عائلتك؟"، متحدثاً ببطء كما لو أنه يتحدث إلى شخص لا يفقه اللغة الإنجليزية جيداً.
فأوضحت له عندها أن بعض الرجال الإنجليز في الواقع، يملكون اسمين كاسم عائلة.
وبصوت غاضب سألني: هل هو جونسون؟
أجبته: "نعم". فأخذ مجلداً كبيراً من الرف فوق رأسه، وبدأ في تفحص صفحاته.
وتهجأ قائلًا: لا وجود لجونسون، هل من اسم آخر؟
أجبته: ديفز، وقمت بتهجئة الاسم له.
أحضر مجلداً آخر وتفحص صفحاته، وقال لي: لا يوجد ديفز.
فهززت كتفي مستغرباً.
ثم قدم لي استمارة طلب كبيرة، تتضمن معلومات تخص اسم جدتي وتاريخ ولادتها، وكل التفاصيل العائلية الأخرى التي كنت أجهلها تماماً. ثم لاحظت، لشدة دهشتي، أن الطلب يتضمن إعطاء معلومات عن اللغات التي أجيدها، وبعضها كان مشمولاً في لائحة مطولة، ولقد رأيت اللغة العربية في أعلى القائمة. وضعت الورقة على الطبقة ورمقت ساعتي، وقلت له: لا أملك وقتاً لهذا، لا بأس عليك، الأمر ليس مهماً.
رمقني الرجل بنظرة تدل على فقدان صبره، وأمرني قائلًا: "اعطني جواز سفرك"، وفي غضون خمس دقائق حصلت على تمديد للتأشيرة.
فقلت له: "شكراً"، أجابني مبتسماً: "على الرحب والسعة"، ثم سمعته فيما أنا أهم بالخروج من مكتبه، يدلي بملاحظة يائسة أخيرة حول الأجانب.