«من يقول إن رضى الناس غاية لا تدرك عليه أن يراجع نفسه، لأننا تجاوزنا هذه المقولة وشعارنا: رضى الناس وسعادتهم، وراحتهم أهداف يمكن إدراكها».. نعم، سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فلقد بذلتم الكثير الكثير من أجل رفعة الوطن وإدراك غايات وطموحات الناس والأخذ بهم إلى مراكز متقدمة، فنحن حقاً اليوم نرفل بثوب السعادة والراحة والأمن والأمان والاستقرار، فحسب المسح الأول للأمم المتحدة لمؤشرات السعادة والرضى بين الشعوب، والتي وضعت دولة الإمارات في المركز الأول عربياً، وفي المركز الـ17 على مستوى شعوب العالم، كانت الإمارات بأهلها وأبنائها وقاطنيها وكل من تنسم أريجها، الأحفل بمعايير الرضى ومقاييس السعادة على مستوى الشعوب العربية قاطبة، وعلى الكثير من شعوب العالم. نقول.. مع ذلك لم تحدث في نفوسنا الكثير من المفاجأة، لأننا نعرف أنفسنا بأننا الأكثر رضى وسعادة بين الشعوب.

والسعادة التي رصدها العالم في الإمارات وشعبها، ليست ضربة حظ ساقتها الظروف على بلد من دون بلد، جغرافياً أو مناخياً أو غير ذلك من الإسقاطات الطبيعية، لأننا نعرف أنفسنا من هذه الناحية أننا لسنا كغيرنا من الدول التي منّ الله تعالى عليها بالكثير من جمال الطبيعة ووفرة التضاريس الخلابة، لا الصحراء الممتدة، غير أننا نملك جوهر السعادة التي قلما يملكها غيرنا، وهي القيادة الحكيمة الأبوية الحانية التي تضع مصلحة شعوبها وسعادتهم ورضاهم نصب أعينها، فلا تغفل عنها ولا تترك فرصة سانحة إلا استفادت منها لتجعل من الحياة واقعاً أجمل، ومن الواقع حياة أفضل..

قادة هم هبة الزمان لأهلهم، لأنهم لا يرون حياتهم وراحتهم إلا براحة أبنائهم، وهي من أعظم المنح حين نرى كيف ينازع البعض شعوبهم قطرة الماء ونسمة الهواء، ليبقوا هم في سدة النعيم ولو شقي الآخرون.

كيف لا نكون الأسعد وقد استحالت صحراؤنا جناناً، وبلادنا وجهة سياحية عالمية، ومرافقنا وبنيتنا التحتية ومنشآتنا وخدماتنا، أضحت تنافس أرقى مثيلاتها في شتى أصقاع العالم؟ كيف لا نحظى بتمام الرضى والسعادة ونحن نرى أنفسنا وأبناءنا نرفل بثوب العيش الكريم والرفاهية، في التعليم والصحة والاستقرار والأمان والحياة الرغيدة.. وشيوع الحريات الاجتماعية والفكرية المصانة المحفوظة، في مظلة من الأمن والأمان المتاح للجميع؟

وكيف لا نكون في قمة هرم السعادة ونحن نرى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وإخوانه حكام الإمارات، يكملون مسيرة العمل المخلص الدؤوب في ترسيخ الاستقرار والانطلاق بالمجتمع إلى آفاق لا محدودة من النهضة الحضارية والحضور العالمي، مقتربين من هموم الناس ومشكلاتهم اليومية ومشاركين لهم في واقعهم المعيشي، ساعين بإخلاص القيادة الرشيدة لتحقيق السعادة لجميع أبناء المجتمع، وبناء المستقبل المزهر للأجيال القادمة.

غير أن هذه الدرجة الاجتماعية العالمية، بقدر ما تحمله من بهجة الظفر بتوازن الحياة والمعاش والرضى والسعادة، تحمل أيضاً في طياتها مسؤولية تنسحب على جميع أبناء الإمارات والمقيمين فيها، بأن يجنوا ثمرات هذه النتائج الإيجابية من دون أن يسيئوا إلى جذور الأصالة وجذوع النجاح وأغصان العلاقات الوشيجة بينهم، لأنها هي المقومات الأساسية التي تخطّ من خلالها الشعوب كتاب تميزها وحضورها واستقرارها.

فأن نكون أفضل الدول عربياً ومن أفضلها عالمياً في مؤشرات رضى الشعوب وسعادتها، على الرغم من كون بلادنا تجمع بين أركانها أكثر من مئتي جنسية وافدة بعقائدها وثقافاتها وممارساتها وتقاليدها ومشاربها المختلفة، فهذا إعجاز قبل أن يكون إنجازاً، صنعته بلا شك نظرة عالمية حضارية لدى أبناء هذا الوطن، يدرك من خلالها فلسفة التعايش الإيجابي البنّاء بين الشعوب، ويستثمر أنبل الصفات الإنسانية ليقدم وصفة التسامح العظيمة، التي يستظل بها الجميع، ويهنأ بها الجميع.

هي فلسفة أصيلة تعلم أبناؤها في مدرسة شظف العيش والصبر عليه، قبل أن ينعموا في فسحة الحياة ونضارتها، فكانوا نماذج معطاءة راضية في الحالين، وكانوا وجهة فياضة بالخير تجود بأسباب النوال لكل الشعوب.

وها هنا حقيقة تربوية متألقة، يقررها علماء النفس والسلوك قبل أن تثبتها دراسات واستبيانات الباحثين، بأن المرء إذا أراد أن يخرج من قوقعة شقائه وحزنه وكآبته، فما عليه إلا أن يسعى إلى إدخال السعادة في نفوس الآخرين، ومد يد العطاء إليهم في السراء والضراء، وهو ما تربينا عليه في الإمارات من المسارعة إلى الخير والوقوف إلى جانب جميع الشعوب من دون استثناء، في محنهم ومعاناتهم، فكانت النتيجة رضى وسعادة مبثوثة في شتى نفوس أبناء الوطن.

فكان هذا الاندفاع السلوكي الحضاري الإنساني متمماً لرخاء الوطن وتيسير الحياة فيه، لتكتمل معادلة السعادة الذاتية والإسعاد للآخرين، وهو ما نرجو دوام حضوره، والارتقاء به على مؤشرات الرضى العام بين الناس، في ظل قيادة حكيمة تقدر قيمة شعبها وتسعى إلى أن يكون الأفضل دائماً.