بعد أن أصدرت كتابي الأول في عام 1946، الذي يضم ترجمات أنجزتها من الأدب العربي الحديث، وكان على وجه التحديد مجلدا يضم قصصا قصيرة أبدعها الكاتب الرائد محمود تيمور، قررت إنجاز كتاب سام هو في هذه المرة مجموعة من القصص القصيرة من مناطق مختلفة من العالم العربي.
وكانت المشكلة هي أنه لا الغرب ولا العرب أنفسهم كانوا مهتمين بترجمة الأدب العربي الحديث إلى اللغة الانجليزية، وكان هذا على الدوام شيئا مثيرا للدهشة بالنسبة لي، فلماذا لم يكن العرب مهتمين بجعل بقية العالم تدرك وجود نهضة في الأدب العربي، وأن العرب بدورهم قادرون على إبداع قصص قصيرة وروايات جديدة جديرة بالقراءة؟
أتذكر أنه خلال الخمسينيات والستينات من القرن الماضي، عندما كنت أعمل خارج مصر، كنت أحرص على انتهاز أي فرصة تتاح لي لزيارة القاهرة، وكنت أحرص على رؤية صديقي الكاتب يحيى حقي. وفي كل الأحوال عندما كنت أرى يحيى، كان يسألني ضاحكا: إلى أين وصل مجلد القصص القصيرة الجديد الذي تترجمه؟
وكنت أضطر إلى الإقرار بأنني ما زلت منهمكا في البحث عن ناشر لهذا المجلد. وأخيرا وعن طريق صديقي، تم قبول نشر هذا المجلد من قبل مطبعة جامعة أوكسفورد ذات المكانة الرفيعة، ولكن بشرط واحد هو أن يقوم باحث شهير في ميدان الدراسات العربية بكتابة مقدمة لهذا المجلد.
وفي نهاية المطاف، وافق أستاذ الأدب العربي أ. ج. آربري على كتابة هذه المقدمة، وكانت هذه لفتة كريمة من جانب هذا المستعرب الشهير، الذي أقر في مقدمته بأنه لا يعرف الكثير عن الكتابات التي تنجز في ذلك الوقت في العالم العربي. وقد أحسست بأن هذا كان انتصارا للأدب العربي الحديث، وأن مجموعة القصص القصيرة هذه ستكون بمثابة فتح باب لحركة جديدة في هذا الأدب.
وستكون الخطوة الأولى في تقديم هذا الأدب إلى العالم بشكل عام. وأحسست أن القصص الذي يضمها هذا المجلد، والتي أبدعها كتاب من قبيل نجيب محفوظ ويحيى حقي والطيب صالح وجبرا إبراهيم جبرا وغيرهم، سوف توضح أن الأدب العربي يضم في صفحاته كُتابا موهوبين، كـأولئك الذين تقدمهم بلاد مثل أميركا الجنوبية واليابان وروسيا.
ولكن لدهشتي وخيبة أملي، برهن هذا المجلد على أنه إخفاق تام، فلم تتقدم حكومة أو مؤسسة عربية واحدة بطلبية لشراء أي نسخ على الإطلاق من الكتاب، ولقي المجلد تجاهلا من الكتاب العرب ومن الصحافة في العالم العربي.
وبالفعل أعطيت نسخ الكتاب التي لم يتم بيعها، إلى ناشر لبناني قام بنزع غلاف الكتاب البديع الذي صممه الفنان السوداني إبراهيم الصالحي، والذي كان صديقا لي عرفني به الطيب صالح. وبيع المجلد بسعر رخيص في صورة نسخ ذات غلاف ورقي، ولم أستطع منع نفسي من التساؤل؛ لماذا أكرس كل هذا الوقت وهذه الطاقة لأدب يتجاهله الشعب الذي كتبه، والذي كان ينبغي أن يقرأه ويدعمه؟
أحمد الله على أن هذا الوضع قد تحسن الآن إلى حد كبير وتغير إلى الأفضل، وبصفة خاصة بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للأدب.
دعوني الآن أحكي قصة غريبة حول إحدى القصص القصيرة المدرجة في هذه المجموعة، وكانت قصة كتبها عبد السلام العجيلي، وهو كاتب سوري تقلد منصب الوزير مرات عدة في بلاده، بما في ذلك منصب وزير الثقافة. وكان قد كتب قصة بعنوان "الحلم".
وقد استمتعت بقراءتها وقررت ترجمتها وإدراجها في المجلد. وبينما كنت عاكفا على ترجمتها، أدهشني أنه قد أتى على ذكر سورة من القرآن الكريم، غير أنه بشكل ما أخطأ في إيراد آيات من سورة النصر، وأشار إليها على أنها آيات من سورة الفتح.
رحت أسائل نفسي كيف وقع في هذا الخطأ مثل هذا الكاتب المعروف، الذي كان وزيرا للثقافة في بلاده في وقت من الأوقات؟ وهكذا بادرت إلى كتابة رسالة إليه أشرت فيها إلى هذا الخطأ، وأبلغته أنني سوف أصححه في ترجمتي للقصة.
ولم يكتف عبد السلام العجيلي بالرد على رسالتي معربا عن شكره، وإنما نشر مقالا بكامله في صحيفة عربية شهيرة، معربا عن دهشته لأن القصة نشرت مرات عدة في صورة كتاب، كما بثت مرات كثيرة عبر الإذاعة، ومع ذلك لم يلاحظ أحد هذا الخطأ الجسيم؟ واقتضى الأمر وجود كاتب أجنبي بالنسبة للغة العربية وأدبها، ليرصد هذا الخطأ.
وقد أحسست أنا نفسي بأنه كان شجاعة من كاتب معروف في الدوائر الأدبية، أن يقر بأنه قد ارتكب مثل هذا الخطأ، وكان كرما منه أن ينسب إلي اكتشاف الخطأ.
وقد تصادف أنه بعد مرور 20 عاما من نشر كتابي الأول من القصص العربية المستمدة من العالم العربي، والذي أدرجت فيه قصة العجيلي، وجدت نفسي أقوم بزيارتي الأولى إلى سوريا، وبادرت بالكتابة إلى العجيلي, وأبلغته بأنني سأزور مدينة حلب قرب مدينة الرقة التي يقيم فيها ويمارس الطب.
فأقبل الرجل إلى الفندق الذي نزلت فيه أنا وزوجتي في حلب، وأمضينا أمسية ممتعة معا، والتقطت زوجتي صورة لي وللعجيلي ونحن في لحظة تغمرها السعادة، وهي الصورة التي نشرتها في كتابي "ذكريات في الترجمة"، ثم بعد سنوات قليلة قرأت بمزيد من الحزن خبر رحيله عن عالمنا.