إن المتابع للوضع العربي، قد يصاب بصدمة، مما يجري في الوطن العربي، وازدادت حالات التمرد، وربما الصرخات العالية، ضد ما جرى وما يجري على هذه البقعة الهامة من العالم، فهي في المقام الأول تختزن في باطنها أهم ثروة، تعتمد عليها الدول الصناعية وغيرها ألا وهو النفط، بالرغم من الحديث الخجول عن وجود النفط في قارات جامدة في العالم، إلا أنها تظل من المواضيع التي يحيط بها خطوط حمراء، وأن الحديث عنها ممنوع إلى حين؟!

فلا عجب أن تهريب الذهب الأسود أصبح ظاهرة أكثر انتشاراً من تهريب المخدرات أو تجارة الرقيق الأبيض، وبرزت طبقة جديدة في التركيبة الاجتماعية العربية وربما هم من يطلق عليهم حديثو النعمة الجدد.

وفي الوقت نفسه يعاني الإنسان العادي في تلك الدول من الحرمان من أبسط متطلبات الحياة وأصبح البقاء أقرب إلى البغاء، وبعيداً عن الإنسان مرفوع الرأس، وتسود سريرته الآلام ما قبل الموت، وكأن الأوضاع السائدة، سرطان يتقدم ببطء ولكنه بلا شك قاتل صاحبه في النهاية.

إن دعوات التغيير بالرغم من شعاراتها البراقة، ومحاولاتها التلاعب بالعواطف، وهي بعيدة كل البعد عن العقل والمنطق السليم، هي السائدة في الخطاب السياسي لمعظم من تدعى أنها قوى سياسية تدعو إلى التحرر وكسر القيود، وجلب أشعة الشمس وهي رمز الحياة.

فقد برزت من جديد مخالب العنصرية، والطائفية والمذهبية والعرقية، بين أمم سبق أن تخطت تلك الكارثة إلا أنه يبدو أن معسكر الطابور الهدام، كان في مرحلة كمون شتوي في انتظار الفرصة المواتية للانقضاض على الجسد الصامد.

لقد قاوم الإنسان العربي العديد من المؤامرات طوال العقود الماضية فلا سجون الأنظمة ولا قوى الاستعمار والقهر استطاعت أن تركع ذلك الواقف على رجليه، وظل رأسه عالياً.

لقد تغلغلت مخططات التدمير من خلال إتباعها في العديد من المؤسسات، وحاولت إعلامياً تدمير النهضة القائمة في دول مجلس التعاون الخليجي، ولعل محاولاتهم في تدمير الاقتصاد وتكبلها أي دول المجلس خسائر وصلت إلى نحو 50% من تلك العائدات والاستثمارات، وازدادت نسبة البطالة، بالرغم من ندرة المواطنين في مجالات العمل المختلفة سواء في القطاع العام أو الخاص، وحاولت أيضاً من خلال أحزاب الإسلام السياسي أن تعيد المرأة إلى الجدران الأربعة من جديد بهدف استقطاب عناصرها في الدول ذات الكثافة السكانية العالية، أو تلك التي يعاني أفرادها من الاضطهاد والقمع السياسي، إلا أن المرأة قاومت ذلك بإصرارها على العمل، وفي الوقت نفسه المحافظة على كيان الأسرة، إن الإرادة تكون جبارة حينما يريد الإنسان أن يقاوم كل من يقف ضد إرادتها في الحياة، والعمل في النهاية هو الحياة.

استطاعت القمة العربية في بغداد أن تعيد ذلك البلد الجبار إلى جذوره العربية، إن العربي هو ذلك الإنسان الذي ينتمي إلى الثقافة العربية الإسلامية وليست تلك التي تنطلق من العرقية فكل من شرب من الثقافة العربية الإسلامية هو العربي أما من يحاول أن يتلاعب بذلك فمصيره العزل كالبعير الأجرب، فلا الفرعونية ولا الفارسية ولا الأشورية وغيرها استطاعت أن تخترق الأعمدة الصامدة لهذه الأمة، والتي ما زالت تسعى إلى تحقيق أحلام شعوبها في الحرية والعدالة والخبز النظيف والانخراط في العمل رغم كل الظروف والمعوقات.

في هذا المجال ندرك أن معظم من حملوا رايات العلم والفن هم من تشربوا من هذه الثقافة، وحملوا رايات التقدم والازدهار، في عصر النهضة العربية الإسلامية. ألا تدرك الولايات المتحدة الأمريكية، أنها تتشكل من أمم مختلفة، هاجرت إليها هروباً من الاضطهاد، وربما نفياً من قبل المستعمرين حين ذاك، إلا إن الوطن الجديد خلق أمة واحدة ولائها للعلم الواحد والنشيد الواحد، وعملت على أن تكون الدولة الأولى والأقوى والأغنى سواء من النواحي البشرية أو المالية، وبالرغم من عصابات العنصرية والتفرقة العرقية، وخرجت من الحرب الأهلية بدروس حققت الرؤية المستقبلية لمرحلة ما بعد الحرب.

ستظل مصر هي الأم، وسوريا هي الحاضنة، والخليج الحضن الدافئ للإنسان العربي وغيره، وما عدا ذلك فهي أحلام سوداوية لأولئك الذين لا يدركون أن من لا ولاء له لوطنه، سيظل في الدرك الأسفل من هذه الحياة، وسوف ترجع إلى رؤوسهم معاولهم وفؤوسهم وسيوفهم، وتدق مسمار نعوشهم، فكم من طاغية وجبار ذهب إلى الجحيم إلا أن البقاء للشعوب التي تدرك أهمية تلاحم الجبهة الداخلية تحت راية الوطن الواحد، وسيادة الحرية والمساواة بكل ما تعنيه الكلمة من معان عديدة سواء الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي.

إن الحديث عن العودة إلى الجذور العرقية أو العنصرية أو غيرها يؤكد على أزمة أولئك الذين يعتقدون أنهم الجنس الأفضل، ولم يستوعبوا ما جرى لألمانيا النازية في عز قوتها بقيادة أدولف هتلر، بالرغم من بروز بعض الملفات التي أكدت على الاتفاق بينه وبين الحركة الصهيونية، في اضطهاد اليهود حتى يهاجروا إلى فلسطين، وساعدهم على ذلك أيضاً الاستعمار البريطاني حين سهل لتلك الهجرة وبرزت من جديد العديد من الأحزاب والقوى السياسية، سواءً القديمة أو الجديدة، إلا أنها تشترك في صف العبارات ولكن من دون أي خطوة عملية أو حتى إجرائية لتحقيق خطوة أولى نحو واقعية سياسية، تتعامل مع فن الممكن ليس خلق فن التلاعب من جديد، وهي بذلك لا تدرك أن الإنسان ازداد وعياً بحقوقه وواجباته على كافة الأصعدة فهل تم رؤية ذلك وسماعه ومن ثم اتخاذ الخطوة الأولى نحو الطريق الجديد.