يتوجه الشبان، والشابات أيضاً، إلى المدرسة من أجل تعلم القراءة والكتابة، ويعود تسعون في المئة منهم إلى الحياة العادية دون أن يلتقطوا أبداً كتاباً لقراءته في حياتهم. ويسأل المرء، بالتالي، ما معنى كل هذا العمل الشاق الذي بذلوه على مقاعد الدراسة؟

وليس من قبيل المبالغة القول: إن أفضل العقول أمضت وقتها وكسبت رزقها عموماً من تأليف الكتب، وأن ينشأ المرء ويترعرع بعد تعلمه القراءة والكتابة، وألا يبذل جهداً لرؤية ما كانت تقوله أفضل العقول عبر العصور عن الحياة والأمور المهمة التي تشكل حياة الإنسان، يعادل إفراغ الأموال من الجيوب ورميها في بركة من الماء. لذا فكرت في أن أستخدم المقالات القليلة المقبلة، في الكتابة عن الكتب.

دعوني أبدأ بالقول: إن العرب، على الرغم من أنهم ساهموا كثيراً في حضارة العالم، يظهرون اليوم اهتماماً محدوداً بالكتب. وقد ألف كاتب إنجليزي معروف، مؤخراً، كتاباً حول القاهرة في عصرنا الحديث، وذكر فيه أنه كان يأتي إلى وسط القاهرة مستقلاً القطار من ضاحية المعادي، حيث كان يسكن، ولم ير في يوم من الأيام مصرياً يقرأ أي شيء باستثناء القرآن الكريم أو الصحيفة اليومية.

 ولا يقصد من هذا القول بأي حال، أن المصحف الشريف لا يستحق أن يقرأ، بل هو جدير بالقراءة ساعات في كل يوم، ويمكن قول الشيء نفسه عن الصحيفة اليومية، لأن ما يحصل حولنا على الصعيد اليومي أمر مهم أيضاً، لكن هذا لا يعني أن قراءات المرء يجب أن تكون مقتصرة حصرياً على هذين المصدرين.

والقراءة في كل الأحوال لها استخدامات شتى، بما في ذلك كشكل من أشكال الترفيه. ويدهشني أن أجد، على سبيل المثال، سائق سيارة أجرة ينتظر خارج أحد المتاجر عودة زبونه ليركب السيارة.

ومع ذلك فإن جل ما يفعله هو التحديق في عجلة القيادة من دون أن تدور في ذهنه فكرة واحدة. وبالصدفة، فإن أحد أهم كتب الترفيه هو بلا شك التحفة الأدبية "ألف ليلة وليلة"، ومع ذلك بالكاد يوجد كتاب واحد من كتب الأدب العربي يشير إلى هذه التحفة الأدبية. ولقد أخذ الأوروبيون وقتاً طويلاً للتنبه إلى أهمية هذه المجموعة الرائعة من القصص.

كتاب "الليالي العربية" كما هو معروف في اللغة الإنجليزية، تمت ترجمته إلى كل اللغات المعروفة إطلاقاً. ومن أجل تحديد أهميته، سأعطيكم لائحة صغيرة بالكتّاب العظام الذين اعترفوا بقراءتهم لهذا الكتاب: أولهم فولتير، الذي أكد أنه قرأه أكثر من أربع عشرة مرة، وفلوبير وستندال ودوما وتولستوي وغوته وجويس بروست وإدغار آلن بو وألدوس هكسلي وديكنز ورابيليه وغيرهم.

وفي الواقع، لا أستطيع أن أفكر في كاتب عظيم لم يقرأ هذا الكتاب الكلاسيكي العربي العظيم. ومع ذلك، لماذا تجاهل العرب أنفسهم هذا الكتاب، بل انتقدوه للأسلوب غير المناسب الذي اتبع في كتابته؟

وبالتأكيد، فإن المشكلة هي أن العرب لم يكن لديهم اهتمام بالأعمال المتعلقة بالخيال. وقد صب العرب كل جهودهم في تسجيل التاريخ، وبعضهم، ولاسيما كثير من أفضل شعرائهم، كتبوا عن الحب وعن الحياة، وبالتحديد عن الموت.

وللتعرف على الأدب الأوروبي، أخذ بعضهم محاولة الكتابة للمسرح، الذي لم يكن بالطبع موجوداً في العالم العربي حتى ذلك الحين، وكانت له في الواقع فترة قصيرة ازدهر خلالها هذا الشكل من الكتابة على يد رجال، مثل الرجل العبقري توفيق الحكيم، والرجل غير المعترف به مؤلفاً نجيب الريحاني. ويمكن للمرء أن يطرح تساؤلاً عما حصل للمسرح في هذه الأثناء.

والرواية الطويلة، وحتى القصة القصيرة، تم تقديمها من الأدب الأوروبي، ومجدداً يعود الفضل في ذلك إلى أولئك الرواد الذين كرسوا أوقاتهم في ترجمة أمثلة من هذه الأنواع الأدبية، من اللغتين الإنجليزية والفرنسية، في المقام الأول. وفي تلك الأثناء، كانت المعرفة باللغات مثل الإسبانية والإيطالية والروسية نادرة بين العرب، طبعاً.

وماذا عن الشكل الأهم للكتابة، وهو تأليف الكتب لتقرأ من قبل الأطفال في الأساس؟ هذا بكل بساطة لم يدخل في ذهن أي من المؤلفين العرب، فالأطفال يجب أن يقضوا أوقاتاً طويلة في قراءة القرآن وحفظه. ومن المفترض أن هذه الحقيقة هي التي أقنعت كتاباً جدداً بأن القراءة هي أساساً مهنة جدية، وليست نوعاً من الاستمتاع، وتشكل بديلاً، على سبيل المثال، للعب الشطرنج، أو حتى كرة القدم.

ومع ذلك، فإن القول: إن العرب لم يكتبوا للأطفال ليس صحيحاً تماماً. والصحيح هو أنهم لم يؤلفوا كتباً للأطفال بالتحديد، لكن لا أحد يمكنه أن ينكر أن أهم تحفة أدبية هو الكتاب الذي أصدره ابن المقفع بالعربية والمعروف بـ"كليلة ودمنة"، وهذا الكتاب يحوي حشداً من المعلومات من شأنها أن تفرح أي طفل. وأنا شخصيا، على سبيل المثال، أخذت عدداً من القصص الواردة في الكتاب وأصدرتها باللغة الإنجليزية.

وهذه القصص قادرة على بث مشاعر السرور لدى أي طفل عند قراءتها أو لدى سماعه لها، ولا بد من أن الوقت قد حان ليعطي مؤلف من أبناء العرب من وقته في ترجمة هذه القصص، أو على الأقل مختارات منها إلى اللغة الإنجليزية.