عندما أسس برنار كوشنير منظمة "أطباء بلا حدود"، عمد إلى الترويج لـ"حق الحماية" من خلال عبور الحدود التي تضم قوى سيادية تضر بمواطنيها، وعندما أصبح وزيراً لخارجية فرنسا، دعا إلى حرية استخدام الإنترنت و"حق الاتصال" عبر الحدود. وقد أعربت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون عن وجهات نظر مماثلة. ومع ذلك، فإن "تويتر" وافق مؤخراً على احترام الحدود وقوانين الرقابة المفروضة من قبل الدول المضيفة، مما دفع الفنان الصيني المنشق آي ويوي إلى نبذ التغريد.

وشركة غوغل في طريقها للعودة إلى الصين، ولكنها، حسب معرفتي، لن تعود إلى أية ممارسات رقابية هناك. وكنت قد كتبت في صحيفة "نيويورك تايمز" أن شبكة الإنترنت عبارة عن تكنولوجيا "تمكين"، وليست حقاً في حد ذاتها. وذلك، في المقام الأول، لأنني شعرت بأن العديد من الناس باتوا يركزون على الإنترنت في حد ذاتها، بدلاً من أن يدركوا أنها ليست سوى إحدى التقنيات العديدة التي اخترعت لتسهيل التفاعل بين البشر، مثل الكتاب أو الهاتف في الماضي. ولذلك، فقد ارتأيت أنه سيكون من الغريب الحديث عن "حق الاتصال بالإنترنت".

ومع ذلك، فإنني لا أحبذ بما فيه الكفاية، المعنى العكسي الكامن في السؤال التالي: هل يشكل الوصول إلى أي وسيلة تفاعل بشري منتشرة في لحظة تاريخية معينة، حقاً من حقوق الإنسان؟ لن أقول: إنه يحق لكل فرد أن يعطى فرصة للوصول، ولكن يحق له ألا يحرم من الوصول في حال أتيحت له الفرصة.

وفي ما يتعلق بـ"الحق في النسيان"، أو ما أطلق عليه أيضاً "منظمة العفو الرقمية"، الذي تم اقتراحه مؤخراً ليتيح لأي شخص التخلص من المعلومات التي، بمجرد دخولها إلى الشبكة، تبقى هناك إلى الأبد، فإنني أرى أن ذلك هراء. فلو كانت وسيلة التفاعل مختلفة، لنقل مطبوعة، فما الذي يمكن للمرء أن يفعله؟ هل يمكنه الذهاب إلى كل مكتبة في العالم، وسحب مطبوعاته من أجل أن ينساها العالم ويبدأ من جديد؟

وتعد فكرة إمكانية محو الإنترنت، بطريقة ما فكرة سخيفة. وذلك لأن تكنولوجيا الإنترنت تمكنك من التقاط صورة أو مقولة أو مقالة ما، وحفظها محلياً وتحميلها إلى الشبكة أكثر من مرة، لو أردت ذلك، في عدة مواقع. فهل يمكنك بعد ذلك أن تتخيل إرغام محركات البحث على عدم فهرسة تلك المعلومات؟

وكل ما يمكنك القيام به حقاً، هو ما نقوم به فعلاً في شركة غوغل من خلال خدمة "منظر عبر الشارع"، على سبيل المثال، حيث نقوم تلقائياً بمحو لوحات السيارات والوجوه في المقام الأول، وتتيح لنا التكنولوجيا أن نفعل ذلك.

وبعبارة أخرى، فإننا لا نتذكر أشياء معينة في المقام الأول أبداً. وكل هذه القضايا تعكس القلق بشأن المعايير التي يجب تأسيسها للتكنولوجيا الرقمية، إذ لم يسبق لنا العيش في بيئة يسهل فيها التقاط المعلومات ومشاركتها.

وأنا لست متأكداً من أننا نعرف الأعراف الاجتماعية التي نود أن نتبناها. ولجعل الأمور أكثر تعقيداً، فإن هناك حدوداً وطنية، وثقافات وعادات مختلفة. لذا فإن مسألة وضع معايير موحدة لجميع أنحاء العالم، تبدو غير محتملة الحدوث. وستكون هذه الأعراف الاجتماعية "ظاهرة طارئة" تنجم عن وقوع جميع الظروف المتنوعة معاً.

وسيكون ذلك مختلفاً بالنسبة لكل من أميركا والصين وأوروبا. والسؤال هو، بالطبع، كيف يمكنك ممارسة السيادة في مساحة تكون فيها الحدود الوطنية أقل وضوحاً؟ عندما كنا نصمم شبكة الإنترنت، تعمدنا أن نجعلها غير وطنية، وأن نصنع شبكات عبر الحدود باعتبارها مركزاً للنظام.

ولكننا، في الوقت ذاته، ولأسباب تتعلق باللغة بصورة رئيسية، عمدنا إلى تخصيص مجالات وطنية. لذا فإنك لو قمت باستخدام غوغل للبحث في روما، فإن النتائج ستظهر باللغة الإيطالية، ولكنك تستطيع العودة إلى الصفحة العالمية، لو أردت ذلك.

وهذه هي طريقتنا في التعامل بود مع المستخدمين حيثما كانوا. ويعد التأكيد المتزايد على السيادة على أساس وطني، ظاهرة طارئة نجمت عن تزايد استخدام الإنترنت من قبل الكثيرين. وعلى الرغم من الفكرة الأثيرية القائلة: إن شبكة الإنترنت تشكل مساحة غير وطنية، فإن الشركات التي توفرها، أو توفر التطبيقات المختلفة من خلالها، تعمل في ظل سلطات قضائية وطنية تتحكم في تراخيص عملها.

لذا فإنها تتماشى بالفعل، ومنذ البداية، مع قوانين البلد ولوائحه. وفي الواقع، لن يكون من المنطقي بالنسبة لشركة ما، أن تقول للمستثمرين: "تتمثل خطة عملي في انتهاك قوانين بلد معين"، فذلك لن يؤدي إلى النجاح. وشركة غوغل، بطبيعة الحال، اختبرت ذلك في الصين.

وعموماً، أجد أن الحكومات مسؤولة عن حماية مواطنيها من الأذى في الفضاء الإلكتروني. وبالتأكيد، فإن معظم الحكومات الديمقراطية ترغب في حماية مواطنيها من الأذى.. وهذا هو السبب في وجود القوانين.

وسيكون من المرغوب فيه أن يكون الناس قادرين على استخدام الإنترنت مع توقعهم أنهم محميون من جرائم سرقة الهوية أو الوصول غير المصرح به إلى المعلومات الشخصية، بما في ذلك السجلات المالية والطبية، بل ومن التهديدات المباشرة، كالمطاردة والترهيب والتحريف والسب والقذف.

وكل هذه الأنواع من الأضرار، هي أضرار ممكنة ومنتشرة. لذلك، فإن هيلاري كلينتون وغيرها ممن يتحدثون عن "حرية الاتصال"، يحملون الحكومات مسؤولية حماية الاتصال بحرية. وتمثلت الطريقة التي قرر "تويتر" التعامل من خلالها مع الافتقار إلى الأعراف العالمية، في إنشاء طابق مزدوج، فإما أن يسمح "تويتر" للتغريدات بالمضي قدماً (خارج الإقليم الخاضع للرقابة)، أو أن يوضح سبب فرض الرقابة على التغريدة.

أما في حالة شركة غوغل، فإننا نطبق سياسة الفلترة وفقاً للوائح الوطنية في بعض البلدان. ففي فرنسا وألمانيا، على سبيل المثال، نقوم بفلترة أي تذكارات نازية. ولكن بما أنها مسموحة في البلدان الأخرى، فإنك إذا أجريت بحثاً على موقع غوغل العالمي، فستتمكن من العثور عليها. وفي الصين، فضلنا عدم الموافقة على الفلترة، والعمل، بدلاً من ذلك، انطلاقاً من هونغ كونغ.

وتسبب "سينا ويبو"، موقع التدوين المصغر الصيني، بحدوث عاصفة في البلاد. فسواء عندما وقع حادث قطار ونتشو أو انتشر التلوث في بكين، كان مستخدمو الإنترنت من المدونين يعالجون القضية. ويبدو أن ما ينشأ هو نوع من "الرقابة الويبوقراطية" التي تفرض المساءلة على السلطات. ومع اكتساب الصين، كأي مجتمع آخر، مزيداً من الشفافية بهذه الطريقة، يصبح السؤال المطروح على الحكومة هو: من يسيطر على من؟

إن الصين تتطور بشكل أسرع مما توقعت، ولطالما شعرت بأن قوة الشفافية التي يتيحها اتصال الشبكة، تشكل نوعاً من المذيبات العالمية التي تضعف الكذب في نهاية المطاف. وفي بعض الأحيان، يتطلب ذلك بعض الوقت. غير أن العملية برمتها تتسارع، فيما يبدو، في الصين. وبناء على تجربتي الشخصية، فإن ما تبديه الصين من انفتاح وتسامح مع الانتقادات، يفوق ما يعتقده معظم الناس في الغرب.

واستجابة الحكومة أيضاً مثيرة للاهتمام، فهي تدرك أن الثورة، في التاريخ الصيني، تأتي دائماً من الأسفل، ومن الخارج في المحافظات. لذا فإنها تستجيب لأية انتقادات على موقع "ويبو"، وتستخدمه كنظام للإنذار المبكر.. وهي تعرف خطورة عدم التجاوب.