يبدو أن المجتمعات العربية تمر بمراحل، وليس مرحلة واحدة من التغيير، وذلك لأسباب أيضاً متعددة، إلا أن الثالوث المشترك هو الجانب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وليس حسب الفصول الأربعة، كما يحلو للعديد من الكتاب والمفكرين العرب، أو ربما غيرهم، ولعل ربيع براغ ما يزال عالقاً بالذهن حتى في القرن الجديد، بالرغم من كل التغيرات العالمية أو على المستويات المحلية في كل دولة.

إن سيطرة القوى العسكرية ومن يقف معهم في نفس الخندق لم تحقق أحلام ذلك الشارع على مدى نصف قرن من الزمن، فقد قامت تلك النخبة في إحداث تغيير في السلطة إلا أنها لم تسعى إلى تغيير البنية الاجتماعية، ولم تدرك أن الطبقة الوسطى هي منطقة الأمان والأمن في المجتمع.

وإن الحراك الاجتماعي بصورة طبيعية تجعل الاستقرار وتحقيق الأحلام هو الممكن، وإلا فإن انفلات صمام الشارع سيؤدي إلى كوارث في المنظومة القيمية، فلا هي حافظت على الهوية ولا على الاستقلال، ومن هنا يمكن أن تتغلغل القوى المعادية لهذه الأمة، مع العلم أن الأمة العربية تحاول العديد من القوى النيل منها، سواءً تلك التي تخوض صراعاً منذ عدة قرون مضت، أو تلك التي برزت نتيجة لتحالفات بين القوى العالمية في مختلف المراحل.

كانت الانقلابات العسكرية هي سمة العقد الخامس من القرن العشرين، وسميت مجازاً ثورات، وراح العبث يلعب بالساحة السياسية، وقضت على الاقتصاد، ولم تتطور نحو الرأسمالية، ولا حققت الاشتراكية، بل ازدادت التبعية حسب قول سمير أمين حينذاك.

ودخل أصحاب الفكر والمتعلمون والمثقفون في نقاش طويل ومتشعب، إلا أنه كان للأسف الشديد سطحي، لا يكاد يلامس جذور المشكلة، وكيفية وضع الحلول، سواءً قصيرة الأجل أو طويلة، وكانت تساير قائد الفرقة، حسب إثارته نحو العازفين.

في تلك المرحلة ظهرت القوى الطفيلية، والتي تتسلق على كل من يكون في طريقها، وتؤدي إلى الموت، أو في أحسن الحالات إلى الانكماش خشية الهلاك، وحتى تكتمل الصورة، وبعيداً على الرؤية من دون الواقع، سنأخذ على سبيل المثال العراق، مصر، ليبيا، اليمن، سوريا، وهو خماسي جديد قد يؤدي إلى زيادة السرعة نحو الهاوية.

ففي العراق لعبت تلك الانقلابات دوراً، في تخلف العراق، والقضاء على كل الفرص في النمو والتنمية، أليس في العراق الماء، والأرض الزراعية، والثروات الطبيعية والبشرية.

وتاريخ من الحضارات التي رفدت الإنسانية بالتقدم على مر العصور والأزمان، إلا أن منجل الهدم والتدمير أصابها من كل الجهات، فتبدلت جنة الأرض إلى جهنم.. هاجر من هاجر ومات قهراً غيرهم.. وبرزت أقدم المهن في التاريخ، وفي الوقت الراهن يعيش البعض في أحلام اليقظة على أمل عودة البيان رقم واحد، لكن بصورة أخرى قد تكون مختلفة، حسب الظروف.

أما ما جرى في مصر، وهي أم الدنيا، فإن عدم الاعتماد على التراكم في كافة المجالات، مما جعلها بؤرة للتجارب، فلا هي استمرت على ما كانت عليه في الفترة الناصرية، ولا هي أكملت ما قام به السادات، وجاء المسمار الأخير في النعش بعد ذلك، وازدادت الديون الخارجية.

والتي يتحملها الإنسان المصري لعدد من السنوات القادمة، وكأن النيل قد جف، والأراضي الزراعية تحولت إلى بور، والإنسان إلى جماد بدون عقل أو مشاعر!!.. وظهرت الخزعبلات من جحورها إلى العلن، تنتظر المنقذ من جديد، واعتقد أصحاب الإسلام السياسي سواءً الإخوان المسلمين أو غيرهم أنها الفرصة لركب صهوة الحصان، والمضي به إلى المجهول، اعتماداً على يأس الإنسان من الحصول على الخبز والحرية والكرامة، ونسي العامة تاريخ أصحاب ذلك الاتجاه.

أما ما يجري في ليبيا فهي الأخرى تحاول نسيان أربعة عقود من قيود العقيد وأتباعه، ممن دفنوا الأحلام كما دفنوا النهر العظيم، وقتلوا أحفاد عمر المختار، وأصحابه، ممن اعتقدوا أن العلة من الخارج، فجاءت هذه المرة من الداخل ومن (أمين الأمة العربية)، والذي دفن كما دفن فرعون في البحر مع كل ما يمتلكه من متاع الدنيا، إلا أن الخراب والدمار سيظل على كاهل الإنسان الحالم لمدة قد تطول أيضاً.

أما اليمن فمنذ أيام السلال وحتى صالح مرت بويلات الصراع بين الوحدة بلا أسس واقعية إلى أن أنهار سد مأرب من جديد، وهنا مثال واضح لعدم الفهم الصحيح للرأسمالية أو الاشتراكية وجرت أنهار الدم بين أبناء الوطن الواحد، وكأن داحس والغبراء تنتفض عنها غبار السنين ويرتفع الصهيل من جديد مذكراً بالمأساة والهلاك، فلا الجبهة الوطنية ولا حتى جبهة الإنقاذ تستطيع الوقوف أمام شلال سد مأرب الغاضب على من لا يخدم التاريخ والأصالة.

أما في سوريا، وهي التي ترمز إلى معاوية، وبدايات تشكل الدولة حسب رؤيتهم، فها هي تمر بأصعب مراحلها التاريخية حينما يدفن الحلم تحت عباءة الطائفية وما تعنيه من معاني سوداوية، فلم يعد الأسد يؤمّن السلامة لعرينه، وحتى لأشباله وحراسهم، ظلوا لفترة طويلة أبان الحرب الباردة، تعيش على تلك التناقضات بين العملاقين في العالم، إلا أن انهيار أحد الأقطاب، كان بمثابة ما جرى لشمشون الجبار، فقد هلك مع الهيكل ومن دون رجعة.

ويبدو أن غرف العناية المركزة، لم تستطع أن تزيل صور القمع والإرهاب الذي مارسته تلك الدولة وأتباعها، والتي شردت الآلاف نحو المجهول، فالإنسان بلا وطن ويعيش في ظل السراب في صحراء قاحلة، إلا أن الظمآن يجري دائماً نحو السراب، وهو هالك في كل الحالات، اللهم إذا نزل الغيث من السماء، رحمة من رب العباد، وهذا ينصب أيضاً في الفلسفة القدرية حسب قول الفلاسفة.

فهل يدرك العرب أن إنقاذهم من المصير الأسود هو في الوحدة والحرية على أسس يتفق عليها؟؟

أم إن على الإنسان أن ينتظر من جديد بيان رقم واحد؟ إلا أنه في المرة يكون صادر من القاعدة البشرية والإنسانية وليس من حملة السيوف والنجوم وغيرها التي أهلكت الإنسان على مدى نصف قرن من الزمان.