في هذا الزمن العربي الذي تغلب عليه عوامل الانقسام والتقسيم بكل أنواعه بفعل مبررات داخلية ومقررات خارجية، نحتاج إلى الاتحاد،.

وفي هذا الوطن الذي تتداعي عليه الأمم لتفرض هيمنتها على مقدراته وقراراته بكل أنواع التدخلات والمؤامرات، نحتاج إلى الوحدة.لهذا تلح علينا ضرورات تحقيق الوحدة الوطنية هذه الأيام بإلحاح، لأن عدم تحقيقها في هذه الظروف الصعبة إنما يعني الفشل في امتحان الإرادة الوطنية بين شركاء الوطن الواحد، وفي اختبار الإرادة القومية بين شركاء الأمة الواحدة، بما يسمح بتمرير مخططات «الفوضى الهدامة» المعادية لكل ما هو وطني وعربي وإسلامي.

الصلة وثيقة بين ضرورة الوحدة الوطنية وتحقيق الوحدة القومية، والترابط أكيد بين الاتحاد العربي والاتحاد الإسلامي، حيث لا إمكانية لتحقيق وحدة عربية بدون صلابة الوحدة الوطنية علي أسس وفاقية، ولا إمكانية لتحقيق اتحاد إسلامي بدون اتحاد عربي علي أسس شعبية، وهو مايدور سياسيا في الدوائر الثلاث الوطنية والقومية والدينية، في تاريخ متواصل، وجغرافيا متصلة، وعقيدة واحدة المصدر نابعة من رسالات سماوية ثلاث بينما الدين واحد.

فلقد سعى الاستعمار القديم لضرب الوحدة الإسلامية بالحرب العالمية الأولى لتفكيك وإضعاف الأمة بفصل العالم العربي عن الإسلامي، وتقسيمهما بمبدأ «فرق تسد» بإثارة النزعات القومية المتطرفة.

وذلك لفصل الدين عن القوميات وصولاً إلى دين بلا أمة وإلى قوميات بغير دين، وبإثارة النزاعات المذهبية بين المسلم السني والمسلم الشيعي، وصولا إلى دين واحد بمذاهب متعددة ومتنازعة، ثم وضع أجزاء الأمة الواحدة المقسمة كلها تحت السيطرة العسكرية المباشرة بالانتداب الاستعماري.

لكن الاستعمار الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأميركية التي برزت كقوة كبيرة ومنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية، وساعية لوراثة النفوذ الاستعماري لبريطانيا وفرنسا في المنطقة العربية والإسلامية، غير أساليبه القديمة من السيطرة العسكرية المباشرة إلى الهيمنة السياسية والاقتصادية عبر أساليب جديدة وبأدوات محلية اقتصادية وسياسية وإعلامية ترتبط مصالحها بمصالحه رغم الاستقلال وغياب شمس الاستعمار القديم.

فبدأ فصل جديد للصراع، بين قوى التحرر الوطني والقومي الساعية إلى استعادة الذات وإعادة الوحدة العربية والإسلامية التي تجزأت بدخول الاستعمار والتي يجب استعادتها بعد خروجه، وقوى الاستعمار الجديد وقوى التبعية المحلية التي ترى مصالحها المشتركة في تفريغ مضمون الاستقلال بربط العالم العربي بالعالم الغربي، وتكريس التجزئة بل وتجزيء المجزأ، وتغريب الهوية الثقافية والقومية، ومحاولة عزل الدين عن الحياة بدعاوي مغلوطة.

و إذا كان الأسلوب القديم للاستعمار القديم هو تهشيم الأمة الواحدة إلى عدة دول، فإن الأسلوب الجديد للاستعمار الجديد هو زرع «الفوضى الهدامة» وإثارة الفتن العرقية والطائفية والمذهبية لتفكيك الدولة الواحدة إلى كانتونات متناقضة لتسهيل سيطرته على الضعفاء ولتمكين إسرائيل القائمة على أساس ديني لتكون هي القوة الإقليمية الكبيرة في المنطقة.

وبهذه الخلفية يمكننا قراءة الصورة العربية والإسلامية الآن وما يجري فيها من خلافات سياسية قومية، ومن فتن طائفية وطنية، ومن مواجهات مذهبية دينية، توشك أن تدخل المنطقة في أتون حروب أهلية عربية لا قدر الله، إن لم تكن قد دخلت فيها فعلا في دول كثيرة، بفعل عناصر الخلافات والأزمات الداخلية، لكن إشعالها وتوظيفها يجرى بفعل التدخلات والمؤامرات الخارجية.

وعلى الوجه الآخر من الصورة يمكننا قراءة الشراكة الاستعمارية الأميركية الإسرائيلية القائمة على سياسة القوة العسكرية واحتلال الدول مثلما حدث في فلسطين والعراق وأفغانستان.

وفي التدخل السياسي والضغط الاقتصادي والعسكري مثلما حدث في لبنان والصومال والسودان وليبيا وسوريا ومصر، والوقوف في المحافل الدولية مع العدوان الإسرائيلي وضد الحقوق العربية والإسلامية، ومع ذلك مواصلة الإدعاء بلا حياء عما يسمونه «الإصلاح والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان»!

والهدف هو منع هذه الأمة العربية والإسلامية من الاستقلال والتحرر الحقيقي، ومن النهوض الاقتصادي والحضاري، ومن استعادة ذاتها ووحدتها القومية، وتذويب هويتها الدينية وتغريب هويتها الثقافية اللتان تمثلان حائط الصد للتبعية وجدار المناعة من الفيروسات التغريبية، ودرع الممانعة في وجه المشاريع المشبوهة على شعوب المنطقة..

والهدف هو منع بروز أي قوة إقليمية عربية أو إسلامية مستقلة ومتقدمة ومتحدة تختلف مصالحها الوطنية والقومية الأكيدة مع مصالح قوة الهيمنة الاستعمارية الجديدة، وهى التي وضعت إستراتيجيتها لتكون هي القوة العالمية الوحيدة في القرن الحادي والعشرين انطلاقاً من فائض القوة لديها بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وانتهاجها لسياسة القوة، طبقا لمشروع القرن الأميركي.

ولهذا، فلابد من السيطرة على مصادر القوة الاقتصادية ومنابع الطاقة النفطية، ومراكز التأثير السياسي والاستراتيجي، ولأن الشرق العربي الإسلامي هو أكبر منابع الثروة النفطية، وأهم مواقع التأثير الاستراتيجي فإنه يتعرض للهجمة الشرسة التي نشهدها الآن على جميع الجبهات الاقتصادية والسياسية والثقافية في أكثر من موقع.

إنهم يجهلون غالباً، والناس أعداء ما جهلوا، بينما دعاة التغريب فينا يتجاهلون أحياناً أن الإسلام ليس سبباً للانقسام بل هو دين التوحيد والوحدة الجامعة لكل العقائد، ، لأنه الدين الوحيد الذي يعترف بكل الأديان السماوية، ولا يعرف مفهوم الدولة الدينية .

كما يدعون، وحينما قامت دولته العربية الإسلامية الأولى في المدينة المنورة كانت دولة مدنية، لأن الإسلام الذي لا يعرف الكهنوت هو الذي أسس للدولة المدنية. يجتمع تحت مظلته المواطن المسيحي واليهودي والمسلم على عبادة الله الواحد، ويؤكد للجميع على اختلاف عقائدهم المساواة في الحقوق والواجبات الوطنية، ويجمع كل القوميات على أساس عدم التفرقة بين المسلم العربي والفارسي والتركي والهندي إلا بالتقوى بهذا الإدراك، يمكن لشعوبنا الواعية اكتشاف من يقف معها ومن يقف مع أعدائها وتصحيح المعادلات المختلة في العقول المحتلة!