كان حرياً بشخص آخر أن يتساءل عن ماهية الأمر، ويجهد في محاولة إيجاد أجوبة من خلال الذهاب لرؤية طبيب اختصاصي، أما بالنسبة لي، فقد كانت ثلاثة حوادث في حياتي مررت بها، من دون أن تلحق بي أي ضرر فعلي دائم.
الحادث الأول وقع منذ مدة طويلة في أربعينات القرن الماضي، وجاء نتيجة لنصيحة طبيب بالذهاب لإجراء فحص للدم. كنت أعيش في القاهرة في ذاك الوقت وقد أخذت موعداً مع طبيب في شارع سليمان باشا، الشارع نفسه الذي خضت فيه تجربتي مع القنبلة التي كانت السبب وراء وجوب قيامي بهذا الفحص.
وأذكر أن الطبيب بدا أنه أخذ كميات كبيرة من الدم لإجراء فحوصاته من دون أي داع لذلك، وأنني أدليت بملاحظة بهذا الشأن، وضحكنا كلانا حول المسألة. لكن عند وصولي مباشرة إلى الطريق العام، وجدت نفسي أشعر بالإغماء على نحو مفاجئ، وما حصل بعد ذلك هو أنني وقعت للتو في ذاك المكان في الشارع، وبعد لحظات معدودة فتحت عيني، ورأيت نفسي أحدق في المارة بقربي، وبمزيد من الجهد انتصبت واقفاً لأجد سيارة أجرة بجانبي، ولاحظت امرأة شابة تجلس داخل السيارة في الخلف. فتحت الباب، وحاولت أن أوضح لها بالعربية شعوري بأنني لست في حالة صحية جيدة وأحتاج إلى سيارة أجرة، فهل تسمح لي بأن أشاركها سيارة الأجرة؟
ومن الواضح أن المرأة الشابة اعتقدت أنني أحد الشبان الإنجليز الذين ينتمون للجيش البريطاني الذي كان يشكل القوة البريطانية المحتلة في مصر في تلك الأيام، مباشرة في مرحلة ما بعد الحرب، والعديد منهم كان ينفق أجره الزهيد على الشراب.
أخرجت المرأة الشابة ذراعها من سيارة الأجرة، ودفعتني بيدها، مما أدى إلى وقوعي مجدداً ممدداً على الرصيف. وفي نهاية الأمر، وجدت سيارة أجرة خالية أوصلتني إلى شقتي التي تصادف أنها تقع على مقربة من هذا المكان.
رقدت في السرير بكامل ثيابي، واستيقظت في اليوم التالي وأنا أشعر أنني بصحة جيدة تماماً.. ونسيت الحادث كلياً بعد ذلك.
وبعد هذا الحادث بخمس أو ست سنوات، كنت أقيم في بيروت عندما قررت القيام برحلة العودة إلى إنجلترا. انطلقت الطائرة باكراً، وكنت قد انتهيت للتو من تناول الفطور، عندما بدأت أشعر فجأة بأنني لست على ما يرام. فقررت أن أتوجه إلى المرحاض، وفيما أنا أسير في الممشى بين صفي المقاعد أصبت بالدوار، وسقطت في الممر بطولي. ولقد تنبه طاقم الطائرة بصورة طبيعية لحالتي الصحية، ومددوني في فسحة عند مؤخرة الطائرة، لكنني كنت قد تعافيت تماماً مع وصولنا إلى مطار هيثرو.
والمرة الثالثة التي فقدت فيها الوعي، كانت بعد هذا الحادث بسنوات عدة. كنت مع زوجتي التي تزوجتها حديثاً في نيس في جنوب فرنسا، وكان الوقت في الصباح الباكر، وكنا نمشي في شارع شاعرين بالسعادة، عندما شعرت فجأة بدوار من دون سبب، رفعت يدي لأستند إلى جدار مبنى، وسقطت على الفور في حالة إغماء، والشيء التالي الذي أذكره هو أن رجلين كانا يحاولان إيقافي مجدداً على قدمي، وأنني كنت أصارعهما، وفقدت الوعي مجدداً، وبعدها أذكر سماعي عويل سيارة الإسعاف. فتحت عيني، ووجدت نفسي ممدداً على نقالة في سيارة إسعاف، وفوجئت بوجود زوجتي واقفة بجانبي تتحدث بصوت عال مع شخصين كانا يقولان لها إن ركوب سيارة الإسعاف ممنوع لغير المرضى أو الجرحى.
لكن زوجتي باولا لم تكن شخصاً لا يصر على مواقفه، وفي هذه الحالة كانت واعية جداً أنه لا بد أن تعرف على الأقل المكان الذي سيجري نقلي إليه. وصادف أن المستشفى يقع في بلدة "انتيب" المطلة على الساحل في جنوب فرنسا. وعند الوصول إلى المستشفى تم وضعي سريعا في سرير، فيما كانت باولا تتجول في البلدة محاولة إيجاد مكان رخيص التكلفة تقيم فيه. ولقد وجدت مكاناً للإقامة، لكنها مرت بتجربة مخيفة عندما حاول أحدهم الدخول إلى غرفتها في وقت متأخر من تلك الليلة. أما بالنسبة لي، فقد بذل الأطباء الفرنسيون جهوداً محدودة للعثور على أسباب سقوطي المفاجئ. وبما أن القضية كلها كانت تكلف كثيراً من المال، فقد قررت مغادرة المستشفى والعودة إلى إنجلترا. وفي المستشفى كانوا مترددين جداً حيال السماح لي بالرحيل، وعندما أصررت على موقفي، جعلوني أوقع على وثيقة تفيد أنه إذا حدث لي أمر ما بعد مغادرتي المستشفى، فإنني المسؤول عن تبعات الأمر.
سافرنا عائدين إلى لندن، حيث ذهبت لرؤية ما كان يطلق عليه الخبير الذي كتب تقريراً طويلًا متشائماً حول حالتي الصحية. ومرة أخرى، تجاهلت نصيحة الطبيب بوجوب بقائي أسابيع عدة للمعالجة في أفضل مستشفيات إنجلترا وأغلاها. وبدلًا من ذلك توجهت أنا وزوجتي في عطلة إلى لشبونة، وهو الأمر الذي كنا نخطط له منذ مدة.
ومرت العطلة من دون أية حادثة، وتمتعنا في الفندق الصغير الذي حجزنا فيه، وبالطعام الممتاز الذي زودتنا به مطاعم لشبونة العديدة.
ومنذ ذلك الوقت، يسرني القول إنني لم أمر بتجربة مماثلة حتى الآن.