في مواجهة التحدي لابد من الاستجابة، نؤكد ذلك فيما القادة العرب بعد أيام في الطريق إلى بغداد لعقد القمة العربية العادية الثالثة والعشرين، إذا نجا الموعد المقرر لها من أية مفاجآت أمنية أو سياسية، محلية أو إقليمية أو دولية قد تشكل عائقا على الطريق، وإن بدا ذلك مستبعدا.
رغم أننا ندرك بوضوح أن طريق الصعود إلى هذه القمة بظروف الزمان والمكان ليس سالكا بما يكفي لتوقع نتائج عالية بمستوى القمة، وإن كان الوضع العربي بأبعاده الداخلية وبعلاقاته المتبادلة التأثير مع الوضع الإقليمي والدولي يبدو بحاجة ملحة إلى الارتفاع فوق الخلافات والحساسيات لأعلى درجات المسئوليات الوطنية والقومية وصولا إلى سقف عالٍ لقرارات بمستوى القمة.
إذ على المستوى العراقي هناك انقسام سياسي ومذهبي وعرقي بلغ حد الفتنة الوطنية، أشعلها الاحتلال الأنجلو أميركي وموساد إسرائيل لشغل العراق بذاته لعزله عن محيطه العربي والإسلامي ولتحييده في القضية الفلسطينية، وما شكله من تحد أمني عبر عنه الساعون إلى منع الحضور العربي في بغداد، وإلى منع الحكومة الحالية من تحقيق كسب سياسي، بانفجارات إرهابية متعددة بسيارات مفخخة سبقت القمة بأيام وحصدت عشرات القتلى ومئات المصابين الأبرياء!
وعلى المستوي العربي لا نستطيع إخفاء ما هو واقع من انقسام عربي سياسي ومذهبي وطائفي وعرقي بلغ حد الفتنة القومية حول ملفات عديدة أهمها القضية الفلسطينية والأزمة السورية والمسألة الإيرانية، إلى درجة المواجهة بالسلاح بين الأشقاء بمشاركة الأعداء، فيما ما أطلق عليه الغرب " الربيع العربي " بينما يبدو الآن في الواقع إما ربيعا شعبيا لم يزهر إلا شوكا دون ورد بعد، أو خريفا محملا بالرياح والغبار بانتظار أن تصفو الأجواء بمطر الشتاء، أو لعله " الربيع الغربي لا العربي " بما أدي إليه من انقسام وتقسيم الأوطان!
بينما الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية العربية تتسع الفجوة فيها بين دول شهدت حراكا شعبيا ثوريا في الربيع كتونس ومصر واليمن، تحاول عبور الفترات الانتقالية المؤقتة، وأخري كليبيا، وسوريا التي تعايش فترات انتقامية أحيانا في حالات فوضى غير خلاقة مصدرة، بينما لم تنته من بناء كل مؤسساتها الديمقراطية والدستورية، ولم تحسم خياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد، وهي الدول التي تعاني من تداعيات وأزمات اقتصادية واجتماعية دون دعم عربي من الدول العربية الغنية أو الأكثر استقرارا.
هذا الانقسام السياسي والتباين الاقتصادي العربي في ظل التحولات والتغيرات الجارية، وتلك التحديات الصهيو أميركية التي تستهدف دول الوطن العربي سواء بالهيمنة أو بالتقسيم بداية من العراق ومرورا بالسودان وعبورا إلى ليبيا واليمن واستمرارا إلى مصر، لابد لها من استجابات عربية، خصوصا في ظل حضور المشاريع الإقليمية التركية والإيرانية في غياب المشروع العربي، بما أضعف كل الدول العربية وأربك دور الجامعة العربية وألحقها بالآخرين!
هذا كله يتطلب من قمة بغداد القادمة بإلحاح وقف التدهور في العلاقات العربية العربية والعربية الإسلامية، وتأكيد القواسم المشتركة والهوية الموحدة العربية والإسلامية معاً باعتبار العروبة حل لمشاكل الأقليات الدينية والمذهبية، والإسلام حل لمشاكل الأقليات القومية والطائفية،.
والمبادرة إلى تحكيم الحلول السياسية لا العسكرية للأزمات والمتفجرة، وتبني مشروع تكاملي اقتصادي، واتحادي سياسي، باعتباره الرد العملي الممكن والسد العالي لمواجهة مؤامرات الانقسام والتقسيم ضد الدول العربية والإسلامية، بما يوفر لشعوبنا الأمن والأمان الاقتصادي والاجتماعي، ولدولنا الاستقلال والأمن الوطني.
وليست هذه القمة العادية التي تنعقد في ظروف تحولات وتحديات عربية غير عادية عام 2012 بتغييب سوريا عربيا، هي الأولى التي يستضيفها العراق، بل سبقتها قمتان مهمتان، الأولى كانت عادية بينما جاء انعقادها في ظروف تحولات وتحديات عربية غير عادية عام 1978في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة بين الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الصهيوني مناحم بيجين، وما نتج عن تلك القمة من قرار بتجميد عضوية مصر في الجامعة العربية، ونقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس.
والثانية كانت قمة غير عادية في ظرف غبر عادي، بدعوة من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، بهدف إظهار الدعم العربي للعراق في مواجهة التهديدات الغربية الأنجلو أميركية، وللمفارقة بتغيب سوريا عن المشاركة، وذلك في مايو عام 1990أي قبل شهرين فقط من الاجتياح العراقي للكويت الذي كان فاصلا في انقسام الصف العربي بحدة، وفتح الباب للتدخل العسكري الدولي بقيادة أميركية في الخليج ما مهد فيما بعد لحصار وغزو العراق وتصفية جيشه والسعي لتقسيمه.
وبرغم ما بدا من رائحة أزمة مكتومة في المؤتمر بين العراق والكويت، ومن لغة خشنة علنية من الرئيس العراقي الراحل صدام حسين تجاه ضيفه الليبي الذي قام بالرد، وبرغم رسالة تحذير أميركية للمؤتمرين، إلا أن ما صدر عن تلك القمة من قرارات تضامنية كانت بالغة الأهمية.
إذ قررت القمة الاستثنائية بداية انتظام عقد القمة العربية سنويا، وعقد القمة العادية القادمة بالقاهرة في نوفمبر التالي بموضوع رئيسي هو مشروع "الاتحاد العربي"، وهو ما شكل رسالة تحد للغرب عموما ولأميركا خصوصا التي تضع فيتو على الاتحاد بل تسعي إلى التقسيم العربي، وهنا كانت الفاصلة الأولى تجاه العراق، بما دفع مراقبين لتوقع توجيه ضربة قبل نوفمبر لعقاب العراق ولوأد مشروع الاتحاد، وهو ما حدث بالفعل في أغسطس التالي باستدراجه لفخ اجتياح الكويت.
ما جرى ضد العراق عقاب استعماري لبغداد لحماية إسرائيل وللسيطرة على النفط ولإعادة تقسيم الدول العربية وللهيمنة الصهيو أميركية على الشرق، ومن ثم على العالم، هو في إطار الممنوعات الغربية التي لا تسمح بوحدة أو اتحاد عربي، ولا بنمو قوة إقليمية عربية أو إسلامية.
ترى هل كانت مجرد مصادفة أن ما واجهه العراق من قصف بطائرات وصواريخ الحلف الأطلسي لتدمير الجيش العربي العراقي وسعيا لتقسيمه بعد مؤتمر قمة بغداد عقابا له على قرار تبني مشروع "الاتحاد العربي"، هو نفس ما واجهته ليبيا واليمن من قصف بنفس الطائرات وذات الصواريخ الأطلسية بعد مؤتمر قمة "سرت" عقاباً لهما على قرار تبني مشروع "الاتحاد العربي"؟
أظن أن الاتحاد العربي ما زال ممكنا كمشروع استراتيجي للمستقبل العربي، بل يبقى حالياً هو الممكن الوحيد أمام القادة العرب في بغداد لتجاوز ما نحن فيه إلى ما نتطلع إليه.