الأميركيون، من اليسار واليمين ومن الديمقراطيين والجمهوريين، كلهم سئموا من عملية البناء الجاحدة من جانب أميركا في الشرق الأوسط، إلا أن التحول الديمقراطي لم يكن خيارنا الأول، بل هو الملاذ الأخير بعد الفشل السابق.
فعلى امتداد فترة طويلة، كانت الولايات المتحدة تقوم بدعم المتمردين الأفغان، الذين طردوا السوفييت بعد عشر سنوات من القتال. وبعد رحيلنا انحدرت البلاد إلى القرون الوسطى الأكثر سوءاً، في ظل حكم طالبان. لذلك، وبعد خلع هذه الحركة، التي آوت مرتكبي أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وعدنا في العام نفسه بالبقاء هناك.
لقد ربحنا في حرب الخليج الأولى عام 1991، ثم رحل معظم قواتنا عن المنطقة. وكانت النتيجة هي القتل الجماعي للأكراد والشيعة العراقيين، واثني عشر عاماً من فرض منطقة حظر للطيران، وفرض حظر فاشل للنفط مقابل الغذاء على نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. وهكذا، بعد الإطاحة بصدام حسين في عام 2003، حاولت أميركا أن تخلّف وراءها شيئاً أفضل.
خلال السنوات العشر الماضية، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من تريليون دولار، وفقدت الآلاف من أرواح الأميركيين، في العراق وأفغانستان. ويبدو كلا البلدين أفضل حالاً بكثير مما كانا عليه تحت حكم طالبان وصدام حسين، على الأقل لفترة أطول.
ومع ذلك، فإن العراقيين يحملون للأميركيين قدراً ضئيلاً من الاعتراف بالجميل. ويبدو أنهم يكنون وداً لقوى إقليمية أخرى، أكثر ممن حرروهم. وفي أفغانستان، تتواصل أعمال الشغب بسبب حرق بعض نسخ القرآن الكريم، على الرغم من سلسلة الاعتذارات الأميركية.
ماذا عن خيار قصف من نعتبرهم أشراراً، ومن ثم مجرد البقاء بعيداً؟ لقد فعلنا ذلك لديكتاتورية الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، الموالية للإرهاب في ليبيا. لكن رحل القذافي الآن وبدأت تنتشر هناك حالة من الفوضى، وباشر المسلحون تعذيب وإعدام الأفارقة السود الذين كانوا يؤيدون النظام الليبي المخلوع، وفقاً لما ذكرته تقارير صحافية. مقابر البريطانيين الذين قتلوا خلال الحرب العالمية الثانية، والتي تم الحفاظ عليها طيلة 70 عاماً من حكم ملوك وطغاة ليبيا، لم تنج خلال ستة أشهر منذ إعلان ليبيا "حرة".
وفي بنغازي، قامت عصابات بنهب وتشويه المعالم الأثرية لقتلى الحرب البريطانيين. إن حالة عدم الاستقرار تؤكد أن الفوضى التي لا نهاية لها، سوف تضيع الأمل في الهدوء في ليبيا ما بعد القذافي. كان ذلك ينطبق أيضا على الصومال ولبنان، بعد الهجوم على القوات الأميركية والمغادرة بشكل مفاجئ من هناك.
ماذا عن خيار آخر للمساعدات وكلمات التشجيع فقط؟ لقد حثت أميركا على تحقيق الإصلاح في مصر، في عهد كل من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش والرئيس الحالي باراك أوباما. وعندما أجبر المتظاهرون الرئيس المصري السابق حسني مبارك على الرحيل، وافقت الولايات المتحدة. ويبدو من المرجح أننا سوف نستمر في إرسال معونات سنوية إلى مصر تقدر بأكثر من 1.5 مليار دولار، كما كانت الحال على امتداد أكثر من 30 عاماً. إلا أن الإسلاميين المناهضين لأميركا، هم الآن القوة المهيمنة في السياسة المصرية. وألقي القبض على عمال المعونة الأميركية في مصر، مؤخراً، وتم تهديدهم بمحاكمة من قبل الإصلاحيين المصريين الجدد.
لكن سيكون هناك خيار أميركي آخر، ليس من أجل بناء دولة أو قنبلة أو التربص ببلد ما في الشرق الأوسط، كما هي الحال مع قوى إقليمية. فلم تكن الولايات المتحدة ترتبط بعلاقات دبلوماسية مع تلك القوى منذ عام 1979، إلى أن حاولت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما يائسة، إعادة إقامة اتصالات مع قوى أخرى من خلال تعيين سفير جديد، حيث ظلت حالة القطيعة لما يقرب من ست سنوات.
سوف يكون الخيار النهائي هو العودة إلى السياسة القديمة، المتمثلة في إعادة إقامة علاقات ودية مع الديكتاتوريات في الشرق الأوسط، بغض النظر عن سياساتها الداخلية، والقبول بها رغم تجاوزاتها. فعلت أميركا ذلك مع باكستان، التي تلقت مليارات الدولارات من المساعدات الأميركية وأنتجت قنبلة نووية. ومع ذلك، فمن الصعب تصور أي بلد أكثر مناهضة للولايات المتحدة من باكستان النووية، والتي بدونها لم يكن لحركة طالبان أن تقتل الأميركيين بسهولة في أفغانستان.
فلتعمل أميركا على إعادة النظر في مختلف الخيارات السياسية في الشرق الأوسط، التي استخدمتها على مدى العقود القليلة الماضية، فقد فشلت غالباً المساعدة العسكرية أو التدخل من أجل الردع دون متابعة. محاولة مساعدة المتمردين ذوي الشعبية للإطاحة بالديكتاتوريين الذين لا يحظون بشعبية، لا يضمن تقديم أي شيء أفضل. ويعد دعم الطغاة من خلال المساعدات العسكرية، أمراً بغيضاً ويسفر عن نتائج عكسية. وتجنب الأنظمة المعتوهة يؤدي إما إلى امتلاك الأسلحة النووية أو الإبادة الجماعية، أو 16 فداناً من الأنقاض في مانهاتن.
ما الذي تعلمناه؟ النزعة القبلية والتطرف العقائدي، هما مزيج سيئ يؤدي إلى سأم الأميركيين من الشرق الأوسط، سواء عندما نصل إلى هناك أو عندما نحاول البقاء بعيداً عنها.