عندما هبت رياح ما تعارف الناس على تسميته "الربيع العربي" أو ثورة الشباب العربي، نشطت مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية وشكلت فرقاً، تم إرسالها تباعاً إلى تونس والقاهرة وسوريا.

وفي غمرة الفرح المحموم بمولد الديمقراطيات الشبابية التي ولدت في الميادين العامة، في حضور مكثف لعصابات البلطجية، تماهت روح القطيع، وبسبب تراجع رجال الشرطة وعدم تدخل الجيش، وانعدام الخبرة السياسية للشباب الذين أشعلوا نار الثورة، حدث انفلات أمني، واختلط الحابل بالنابل، وقد أدى انعدام القيادات السياسية وسط الشباب إلى ظهور طابور خامس، سرعان ما ركب الموجة، وبات واضحاً أن ثورة الربيع العربي ستتم سرقتها في وضح النهار، من لاعبين قدامى دخلوا الملعب من الأبواب الخلفية، كثيرون منهم هربوا من السجون رأساً إلى ميدان التحرير.

ومع تراجع دور الشباب وظهور نتائج الانتخابات في تونس ومصر، وتعالي صوت أعضاء تنظيم ليبيا، بات واضحاً أن مخطط إعلان حلف إسلامي محوري جديد يتم طبخه على نار هادئة، وما على الناس إلا الانتظار، ولعل ذلك ما دفع باللاعبين الجدد إلى دخول الملعب السياسي مدفوعين بشهوة الحكم، للجلوس على الكراسي. ولم تمض أسابيع حتى نشرت مراكز استطلاع الرأي تقاريرها الأولية، وفيها إفادات بأن ثورة الشباب ستسرق، وأن أتباع النظام المخلوع سيجمعون صفوفهم من جديد، وأن الانتخابات القادمة ستدفع بخريجي السجون إلى الصفوف الأمامية، وأن على صناع القرار في دول الجوار أن يراجعوا حساباتهم، وأن عليهم متابعة مجريات الأحداث في ما يحدث في الوطن العربي الذي بات يغرق في حمامات من الدماء.

كانت الجهات المعنية في كل الدول الخليجية ترصد وتراقب بدقة مجريات الأحداث، وعبر زيارات تشاورية بين قيادات هذه الدول واستناداً إلى التقارير الواردة، تكشفت معالم سيناريوهات تم التخطيط لها لتحويل الخطاب الديني إلى خطاب سياسي.

لقد فتحت نتائج الانتخابات التي جرت مؤخراً في مصر وتونس، شهية قيادات تنظيم معارض كان محاصراً، ليمارس نشاطه علناً، وبدا جلياً أن الخطاب الديني سيتحول إلى خطاب سياسي، وأن الإسلام السياسي مرشح لزعامة العالم العربي، وظهر خلط شنيع للأوراق بين سلطة الدولة وسلطة التنظيم.

لقد تابع الرأي العام العربي بقلق شديد، تردي الأوضاع الأمنية في الدول التي ظهرت فيها، بحكم الصدفة، تغيرات هيكلية ظن الناس أنها ولادة طبيعية لحالة مخاض طال انتظاره، لنشهد مولد حكم ديمقراطي يكون بديلاً لأنظمة فاسدة ومترهلة، فإذا بالمولود جاء مخلقاً ومشوهاً وعديم الهوية، ولم يحظ لا بالرضى ولا القبول، وهكذا برزت الحاجة إلى بديل مقنع ومقبول ليتولى تسيير دفة الأمور.

لقد تأكد الآن وبما لا يدع مجالاً للشك، أن ثورة الشباب ترقد في الإنعاش، وأن عملية نقل دم غير ملوث باتت ضرورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

الذين يعرفون تماماً دولة الإمارات العربية المتحدة وخطها الفكري المعتدل، وتوجهها السياسي الملتزم بقيم الحق والعدل، يندهشون من أي نقد غير موضوعي لهذه الدولة التي هي بشهادة العديد من رؤساء وحكام العالم، واعترافات العديد من الوكالات والمنظمات الدولية المرموقة، تتصدر المنطقة في الريادة والعطاء والسياسة المعتدلة المنفتحة على الجميع.

ونحن أدرى بالكيفية التي تدير بها قيادتنا الرشيدة كافة شؤون دولتنا، في سياق منظور قيمي مستوحى من ديننا الحنيف بتعاليمه ومبادئه، وانطلاقاً من موروثنا التاريخي والحضاري، قيادة تربت وتشبعت من فكر وقيم ومبادئ المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي قال عنه الساسة والكتاب العرب: "فارس الوحدة العربية"، عاش يحلم بوحدة العرب جميعاً، فلم يتحقق من حلمه سوى وحدة الإمارات العربية السبع، وكان يؤمن أن خيرات العرب لجميع العرب والمسلمين في أقصى أرض العروبة والإسلام، ففجرت يداه ينابيع الخير أينما كان، والذي دون مقولته الشهيرة في كتاب التاريخ للمساهمة في المجهود الحربي في حرب أكتوبر عام 1973، عندما قال: "إن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي".

لقد حددت الإمارات فكرها السياسي والدبلوماسي بناء على قناعات ثابتة ونهج واضح، من أهم مرتكزاته ألا نتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وبالتالي لا ولن تقبل الإمارات أي وصاية من دولة أو فرد مهما كان موقعه أو مكانته الدينية أو السياسية. إن سياسة الإمارات تنأى عن الدخول في أي مهاترات ومعارك في غير معترك، لأن على الكبير أن يبقى كبيراً.

إن من حق أي دولة حماية أمنها من أي محاولة للعبث بالاستقرار الذي تنعم به بلادنا، وخصوصاً في وقت أصبحت فيه نظريات المؤامرة تجري بلورتها عبر فرق مدفوعة الأجر، تم تدريبها لانتهاز وجود أي تجمعات غير مشروعة، لخلق أجواء تساعد على تأجيج الفتن الداخلية، وفات على هؤلاء وأولئك أن لدينا أجهزة أمن عيونها مبصرة ولا يغمض لها جفن، ومن ثم فهي قادرة على التصرف وفق مقتضيات كل حالة، ولكن في سياق القانون الذي يضمن الحريات والحقوق ويحفظ الأمن والاستقرار للجميع.

لقد ترافقت مع رياح التغيير العربي شتى أنواع البلطجة الفكرية والسياسية، لكنا من هنا نقول لدعاة الفتن وتجار الأراجيف والذين يودون الاصطياد في الماء العكر، نقول لهم جميعاً: ارفعوا أيديكم عن الإمارات. لقد قرأنا مؤخراً الكثير عن نظرية المؤامرة كما وردت في كتابات المفكر "بيار أندريه"، بأن المؤامرة تستحدث لسد فراغ مادي أو معنوي، وتجد فرصتها الذهبية إبان حدوث أي شغب أو بلبلة، والذين يروجون للأفكار المضللة يحاولون ذر الرماد في العيون، ظناً منهم أن الناس في غفلة وأن كل الشوارع العربية ستأتمر بأمرهم متى ما استعدوا الدول على شعوبها، ناسين أن دولة الإمارات تحتل المركز الأول بالنسبة للدول العربية حسب تقرير التنمية البشرية لعام 2011، وأن دخل المواطن الإماراتي هو الأعلى على مستوى العالم، وأن مسيرة النهضة التي انتظمت فيها دولة الإمارات منذ مطلع السبعينات، ما زالت تمضي وبخطى متسارعة.

ومن يريد معرفة المزيد، عليه الدخول لمحركات الشبكة العنكبوتية الدولية ويتجول في أرجاء دولة الإمارات، عندها يدرك أن الحقيقة تبقى هي الحقيقة، وأن من يتطاول علينا نحن أدرى بإرجاعه إلى قياساته وحجمه الطبيعي، ولكن في الوقت المناسب، وإن عدتم عدنا.