ربما يكون أشد ما يؤلم في أخطاء الناس وتعديهم على نزاهة الآصرة الإنسانية، هو أن تصدر عن رموز اجتماعية، أو هكذا نحسبها، تمثل ريادة المجتمع علماً أو اختصاصاً أو مكانة، وتحوز على ثقة أبنائه، ثم نجد أنها تهوي في مدارك التصرفات الصبيانية الغرائزية، في لطمة لثوابت المجتمع، وانتهاك لحرمته وكيانه، واجتراء على قيمه وهويته..
فأخبار نسمع عنها بين الحين والآخر بطلها طبيب يتحرش بمن يعالجها، منتهكاً لقسمه الأخلاقي وعهد الثقة مع مرضاه، أو مدرس يتحرش بطالب أو طالبة، محطماً حجر الزاوية في البناء الأخلاقي التربوي، أو محفظ مأجور للقرآن الكريم، يتغافل عن قداسة وهيبة الدين لتندلق شهوته البهيمية على أطفال بريئين.. أو تاجر يهتك أسماع زبونته بألفاظ تخدش الحياء، في صفاقة وقلة حياء، لتدفع ربما ضريبة الظروف التي ألجأتها للخروج للتسوق بمفردها، قبل أن تدفع ثمن السلع التي تشتريها! مثل هذه الأخبار وإن كانت قليلة نسبياً، إلا أنها تقع بين الحين والآخر، ولا يمكننا إنكارها، وتطفو على سطح المجتمع كفقاعات مؤلمة في حينها، إلا أن الخشية كل الخشية أن يكون وراءها ما وراءها.
لن نقول عنها إنها أصبحت ظاهرة، إلا أنها تحدث بفواصل زمنية متقطعة، تصدم المجتمع وتؤرق التربويين والمعنيين بالشأن الاجتماعي، وتحتاج من الجميع إلى وقفة جريئة لسبر أسبابها والوقوف على علاجها، وضبطها قبل أن تستفحل وتجلب معها الكوارث، لا سيما أنها تحدث كما قدمنا، من أناس يفترض فيهم أن يكونوا علامات اجتماعية بارزة، لا يصلح لها أن تخوض في هذه التصرفات الوضيعة، ولسنا نتحدث عن تصرفات شبابية طائشة تحدث بلا شك، ولكنها في مجملها ترتبط بمرحلة سنية معينة، وتسهم برامج التربية والتوعية في الحد منها.
النخبة المجتمعية من أطباء أو مدرسين أو محفظين لكتاب الله تعالى وأئمة مساجد، يفترض فيهم أن يكونوا أمناء على هوية الدين والمجتمع وثوابته وقيمه، وقبل ذلك أن يكونوا أمناء لما نهلوه من العلم والثقافة، التي بمقتضاها أعطاهم المجتمع ثقته، وأسلمهم الكثير من خصوصياته، لا أن يكون بعض هؤلاء مصدر خوف الناس، والمكان الذي يتسرب منه الخلل إليهم.
وربما رأى البعض من أبناء مجتمعنا أن هذه الأمور تحدث نتيجة الانفتاح واختلاط الجاليات والثقافات، محاولاً رمي الكرة بعيداً على الآخرين، ومعتبراً ذلك ضريبة نتحمل كلفة دفعها، بسبب الأبواب الكثيرة التي فتحت أمام من هبّ ودبّ ليحظى بالثقة الاجتماعية ويصبح أميناً على ثوابتنا وقيمنا. وهذا الكلام وإن كان يحمل شيئاً من الصواب في مقدماته، إلا أنه يجاوز الحقيقة في حتمية نتائجه، وذلك أن الانفتاح على الآخرين واقع حضاري لا بد منه، تفرضه لوازم النهضة والعمران والتثاقف، وبناء المعارف والاستفادة من الخبرات، واستجلاب العمالة التي تتطلبها النهضة، لكن ذلك لا يمنع أبداً أن يكون هناك نظام رقابي تربوي رديف يضبط عمل هذه الطاقات، لا من حيث الجودة والخبرة فقط، ولكن من حيث أمانة السلوك وارتقاء الأخلاق والحفاظ على ثوابت المجتمع وقيمه وحرمته، ليبقى الأمان الاجتماعي يمارس دوره في صيانة الرقي الحضاري. وهي قضايا ما زلنا في مجتمع الإمارات نراهن على أنها أساس نهضتنا، مقرّين ومؤكدين مع ذلك أنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نضع جميع الوافدين في خانة واحدة، فهذا من الظلم الذي لا يجوز ولا يصح.
وقضية التحرش تحمل في جوهرها عاملاً يضاعف الخشية من انتشارها، وهو حساسية التعاطي معها على مستوى أفراد المجتمع، فالكثير من التجارب المؤلمة في هذا الخصوص لا يمكن للبعض البوح بها، وتبقى حبيسة الصدور خشية الفضيحة، لتفسح المجال لمرضى النفوس بأن يصولوا ويجولوا في غياب الرقيب وشدة تحفظ المتضررين نفسياً وجسدياً.
وهنا لا بد من تركيز برامج التوعية الاجتماعية، لرفع درجة الجرأة في الحديث عن هذه المسائل لإيجاد الحلول لها، من الجميع؛ مسؤولين وقيادات اجتماعية وتربوية وإعلاميين ومثقفين، وأن تخرج إلى النور حتى يعلم الجميع مدى خطورتها، قبل أن نتفاجأ باستفحالها. ثم من جهة أخرى لا تقل أهمية عن السابقة، على الآباء والأمهات أن يسعوا إلى زيادة جرعات الوعي لدى أبنائهم بهذه الأمور، وأن لا يتركوا وهْم الخوف والحياء المفرط يقف حاجزاً أمام البوح بما قد يتعرضون له من مضايقات، مهما كان مستواها ومصدرها.
ونؤكد مع ذلك، أن الواجب يقع على أبناء الوسط الثقافي والإعلامي لدق ناقوس الخطر، قبل أن نفاجأ باتساع الفجوة، وعندها لن ينفع التنظير الأجوف، كما لا بد من وضع هذه المسألة في صلب الاهتمام الأمني والقانوني لردع المتساهلين في ذلك، عبر قوانين صارمة تؤدب كل من تخطى هذه الحدود الاجتماعية، وتردع غيره عن التفكير فيها.