وجدت وأنا أتصفح إحدى الصحف، أخيراً، أن طفلاً من كل عشرة أطفال في إنجلترا لم يكن يمتلك كتاباً واحداً في عام 2005، وقد تغير هذا الرقم في السنة الماضية، وأصبح طفل واحد من كل ثلاثة أطفال ليس لديه كتاب واحد في تلك البلاد.

وقد نشرت هذه المعلومة كجزء من خبر دون أي تعليق، والواضح أن العالم يتجه نحو وضع تتوقف فيه الكتب عن لعب دور في حياتنا، وهذا التوجه يستحق التعليق بلا شك.

ويشير الموقف الآن إلى أن قلة محدودة للغاية من أطفال بريطانيا، يكترثون بالتقاط كتاب وتصفح مئة صفحة منه أو ما شابه ذلك، بعد أن بات الأمر الأسهل أمام الطفل، هو أن يستلقي ويتمدد ويضغط على زر حتى تظهر صورة متحركة على شاشة أمامه، ويقوم صوت بقراءة بعض المعلومات عليه. هكذا تبين لنا أن نسبة متزايدة من أطفال اليوم لا يمتلكون المقدار الضروري من التعليم، ولا القدرة الذهنية على إكمال قراءة كتاب كامل.

وهذا الخبر أعادني على الفور إلى أيام طفولتي، التي قضيتها في السودان ولاحقاً في أوغندا، وهذه الفترة تمتد ثماني سنوات، أي إلى عمر الثانية عشرة، قبل إرسالي إلى إنجلترا، وكان هناك تاريخان لهما قيمة خاصة بالنسبة لي خلال تلك السنوات الثماني: تاريخ ميلادي في شهر يونيو، وعيد الميلاد في شهر ديسمبر.

 كانا مهمين بالنسبة لي، لأنهما كانا فترتين في السنة أتوقع خلالهما استلام هدايا من الأقارب والأصدقاء، وهذه الهدايا كانت تصل كمفاجأة كلياً أحياناً، وفي أوقات أخرى كنت أُسأل عما إذا كان هناك شيء محدد أود الحصول عليه كهدية.

وكنت أطلب أحياناً، على سبيل المثال، حماراً أو دراجة أو بندقية من طراز أكثر قوة من البنادق التي كنت أمتلكها، لكن هذه الهدايا كانت غالية الثمن، لذا كنت أذكرها أمام والدتي أو والدي فقط. وبالنسبة لباقي العالم، كان معروفاً أن لا شيء يسعدني أكثر من الحصول على كتاب.

وفي تلك الأيام، كانت مكتبتي تتألف من كتب المغامرات بصورة رئيسية. كانت هناك 10 كتب تقريباً حول شخصية طرزان المعروفة، وهو شاب صغير هجرته عائلته، وقامت القردة بتربيته، وكان يتكلم لغتها، ومنها تعلم أساليب العيش في الأدغال.

ثم كانت هناك عدة روايات أولها "الإيماءة الجميلة" حول شخصيات مختلفة هربت من العالم العادي المألوف، للانضمام إلى جيش من الرجال من مختلف الجنسيات، ممن لم تسمح لهم خلفياتهم بأن يكونوا في وظائف عادية. ثم كانت هناك كتب "سير رايدر هاغارد"، وعمله الأشهر "كنوز الملك سليمان" والذي كتب غالباً عن إفريقيا والإفريقيين. وكطفل كانت لدي عاطفة للحيوانات، وبالتالي كثير من كتبي كان يصف بالتفاصيل حياة أنواع متعددة من الحيوانات.

وأذكر جيداً عندما أتت أختي غير الشقيقة إلى أوغندا خلال العطلة، أنها اشترت لي الكتاب الأول عن شخصية تدعى "كابتن كتل"، وهو قبطان سفينة شحن صغيرة، والمغامرات المتعددة التي خاضها. ومن ثم ارتقيت إلى قصص عن المفتش شرلوك هولمز، ومنها إلى حقل روايات الجرائم الأوسع نطاقاً، التي كانت قد بدأت لتوها في كسب جمهور واسع من القراء.

وكانت هناك الروايات المختلفة من تأليف الكاتب الفرنسي الكسندر دوما، وأهمها "الفرسان الثلاثة" و"الرجل ذو القناع الحديدي"، وكلها تمت ترجمتها إلى الإنجليزية. ومن ثم، بالطبع، كانت هناك القصص المأخوذة من ألف ليلة وليلة، والتي وجد العديد منها، وغالباً في شكل منقح، طريقه إلى مجلدات من قصص تم تجميعها خصيصاً لتقرأ من قبل الأطفال.

كثير من هذه الكتب كان تقرأه لي والدتي مرات عدة. كان تمريناً يومياً في كل أمسية، بعد أن أستحم وأرتدي المنامة، أن تقوم والدتي بالقراءة لي إلى أن تشعر بأنني أصبحت على أهبة الاستعداد للنوم. وبعض من الكتب القصيرة قرئ لي مرات عدة، حيث أصبحت أحفظها عن ظهر قلب، وكنت أحياناً أصر على وجوب قراءتي لها بنفسي. كنت أتناول الكتاب وأروي القصة لها، وأنا غير قادر في الواقع على قراءة كلمة واحدة منها، لكني أنتقل بين الصفحات في تتابع صحيح، بعد ملاحظتي في أي منعطف من القصة كانت تقوم والدتي بتقليب الصفحة.

وليس مفاجئاً، بالتالي، أن تستمر الكتب في لعب دور رئيسي في حياتي، في التأليف والترجمة، وأن أجد في قراءة كتاب جيد الطريقة الفضلى لتمضية الوقت. إن عالماً من دون كتب، بالنسبة لي سيكون عالماً يفتقر إلى أهم عناصره. من خلال الكتب، أسافر إلى أماكن من المستحيل أن أسافر إليها في الحياة الفعلية، وأتعرف على شخصيات وأوضاع من غير المرجح أن اختبرها طبيعياً.

باختصار، تحوي رفوف الكتب بالنسبة لي توسعة لحياتي الفعلية، وهذا ما يمكن أن تفعله الكتب لأي شخص كان. والحقيقة أيضاً أن بذل جهد ذهني لقراءة كتاب كامل من البداية إلى النهاية، يعطي هذا الكتاب موقعاً خاصاً في حياة الطفل، بدلاً من مادة شاهدها على شاشة التلفاز بمجرد الضغط على زر.

هل يعني هذا كله، أن أطفال اليوم ينقصهم حتماً بعض من أشكال الانضباط الذهني الذي كان يتمتع به أطفال الأجيال السابقة؟