على غير عادة من يوقدون الشموع احتفالاً بمرور عام جديد يضاف إلى صفحات دفتر العمر، لم توقد شمعة واحدة احتفاءً أو احتفالاً بالسنة الأولى التي انقضت على ما تعارف البعض على تسميته "الربيع العربي"، ولم نر مشهداً احتفالياً واحداً، لا في تونس التي انطلقت منها الشرارة الأولى، ولا في مصر التحرير، أو حتى ليبيا الثورة، دعك من سوريا التي لم يجف الدم المراق على سفوح مدنها وقراها بعد.

ظن كثيرون أن حديقة الربيع ستزهر بوردة الديمقراطية الشبابية، وأن باقات من الورد الربيعي سيتم توزيعها في هذا الجو الممطر، بعد أن يتم قطفها من حدائق الشباب، لتوزع على آلاف الجرحى، وهم يكابدون حظهم العاثر داخل المستشفيات، أما الذين سقطوا في أرض المعارك، فلم تودع على قبورهم باقات ورد الربيع لأنهم دفنوا في مقابر جماعية، وفي حالات الموت الجماعي لا أحد يعرف تماماً من هنا ومن هناك..

هكذا مرت ذكرى عيد ميلاد "الربيع العربي"، وهي ذكرى دموية لم تشهد دول المنطقة مثيلاً لها في تاريخنا المعاصر.. ويحضرني في هذه المناسبة المؤسفة بيت أبي الطيب المتنبى "عيد بأية حال عدت يا عيد"!

وقديماً زعموا أن باب الحرية المغلق لا يمكن فتحه إلا بأيادٍ مضرجة بالدماء، وها هو عام بأكمله قد مضى وما زال طلاب الديمقراطية يتوسدون أياديهم ويقضون لياليهم في العراء، والباب ما زال موصداً أمام ركب الديمقراطية، الذي طال انتظاره.. ترى أي ديمقراطية تلك التي قد تأتي أو لا تأتي؟

هل هي ديمقراطية الحقب اليونانية التي بشر بها أفلاطون في جمهوريته الفاضلة؟ أم التي دعا لها فلاسفة العقد الاجتماعي، مثل "توماس هوبز" و"جون لوك" ومن سار في ركبهما، بدعوى أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة تعاقدية بموجب عقد مبرم، يمكن الحاكم من تسلم مقاليد الحكم برضى الشعب، في مقابل إشباعه لاحتياجاتهم المادية والمعنوية.

والقارئ لتاريخ الفكر الاجتماعي، يعرف أن تجربة الديمقراطية الليبرالية التي يتنسم هواها الغرب، استوحيت من مضامين الأفكار التي روج لها فلاسفة العقد الاجتماعي في عصر النهضة، ولما اجتاحت فرنسا ثورة الشباب في ستينات القرن العشرين، كتب "جان بول سارتر" مقولته المشهورة "إن الثورة لا تنمو في الأرض اليباب"، وها هو التاريخ يعيد نفسه بصورة أخرى.

أكتب هذه السطور.. وأمامي المشهد العربي، الذي لا يسر من يتابعه عبر القنوات الفضائية، عالم يضج بالفوضى والفوران المحموم، ولا أدري كيف انتقلت مفاهيم وشعارات مثل "ارحل" و"كفاية" إلى بعض دولنا، ليتشدق بها صبية لا يعرفون معناها، فيوجهون إهانات بالغة إلى حكامهم، ويصبون جام غضبهم على القوات النظامية، ممثلة في رجال الشرطة والقوات المسلحة، الذين لا هم لهم إلا الدفاع عن الوطن وحماية أرواح الناس وممتلكاتهم!

لقد أيد الناس، كل الناس، المطالب العادلة بالإصلاح، والذي وجد استجابة سريعة من القيادة في كافة دول الخليج العربية، وكنا نحن مع الرأي المنادي بالتدرج في إحداث التغيير، وهو ما نبه له علماء الاجتماع وعلماء علم الأخلاق بأن أضرار التغييرات الاجتماعية السريعة تفوق محاسنها. ومن هنا نقول إن الديمقراطية التي تولد في الشوارع تموت في أول منعطف، وعلى المطالبين بها أن يقرأوا التاريخ، ذلك أن من يشعل نيران الفتن الطائفية سيكون من أول ضحاياها.

لقد أكدت تجربة الدول الاشتراكية أن النظم السياسية التي تستورد من الخارج، لا تنمو في غير أرضها.. ومن هذا المنطلق نقول؛ لا، وألف لا، للذين يريدون عنوة إلباسنا ثوباً على غير قياسنا، فالديمقراطية التي نفهمها هي العدالة الاجتماعية، وهي إشباع حاجات الناس "الأولية"، وتلبية رغباتهم في توفير خدمات الصحة والتعليم والإسكان وغيرها.. وهو ما تحقق في بلادنا، وأكده تقرير التنمية البشرية لعام 2011.

لقد كتبنا في رمضان المنصرم عن "الديمقراطية الشعبية"، في إشارة إلى أجواء المجالس الرمضانية التي انتظمت في كل الإمارات، توطئة لانتخابات المجلس الوطني الاتحادي، التي أرست القواعد الثابتة للديمقراطية الشعبية، مؤكدين أن علينا أن نتجنب استيراد تجارب الآخرين، ونقلها حرفياً إلى مجتمع مغاير.

إن لنا ظروفنا الموضوعية وموروثاً ثقافياً مشبعاً بقيم وتقاليد القبيلة والأسرة الممتدة.. ومن ثم لن يكون عسيراً استنبات تجربة ديمقراطية في الأرض التي ولدنا ونموت فيها. ومن خلال المفكرين وأساتذة الجامعات من المواطنين، بمساعدة مراكز دعم القرار والدراسات الاستراتيجية، يمكن في زمن مناسب صياغة مبادئ توجيهية لمرتكزات فكر سياسي، للاسترشاد به كمشروع لتجربة ديمقراطية وطنية، تعزز حقوق الإنسان المنسجم مع واقع مجتمعه، والمتصالح مع قيادة رشيدة تعمل ليل نهار، من أجل تلبية تطلعاتنا للعيش في مجتمع ينعم بالاستقرار والأمن الاجتماعي، مجتمع يتجاوز أعاصير الثورات التي تنشب هنا وهناك، مدفوعة بروح القطيع والغوغائية، والتدخل الخارجي مدفوع الأجر.. لصالح أجندة نحن نعرف تماماً هدفها الاستراتيجي، الرامي إلى زعزعة أمن واستقرار كل بلدان المنطقة.