آخر وصلات الغزل الأميركي في «الإخوان المسلمين» جاءت من وفد الكونغرس الذي زار القاهرة الأسبوع الماضي.

والذي يفترض أن تكون أولى مهماته هي التعامل مع أزمة المنظمات المدنية الأميركية والعاملين فيها المقدمين للمحاكمة والمحتمين داخل السفارة الأميركية بالقاهرة. الوفد كان يرأسه السيناتور البارز جون ماكين المرشح السابق للرئاسة والذي يشغل في الوقت نفسه موقع رئاسة المعهد الجمهوري أحد المنظمات موضوع الأزمة مع القاهرة.

الوفد الذي قابل المشير طنطاوي وكبار المسؤولين حرص على تهدئة الموقف في التصريحات الصادرة عن أعضائه، تمهيداً لحل يبدو أنه في طريقه للتنفيذ ولكن بعد أن تبدأ المحاكمة لتأكيد سيادة القانون المصري وخضوع الجميع له.

الملاحظة الأخرى المهمة في تصريحات رئيس الوفد وأعضائه من الحزبين الجمهوري والديمقراطي هو التسابق في الاعتراف بخطأ الولايات المتحدة في صياغة شكل العلاقة مع القاهرة في الماضي، وتحميل النظام السابق في مصر مسؤولية نقل صورة خاطئة عن جماعة الإخوان المسلمين لواشنطن.

وهو ما يتم تصحيحه الآن بعد أن أدركت واشنطن أنها جماعة معتدلة وضد الإرهاب وقادرة على تحمل مسؤولياتها والالتزام بتعهداتها. وبالطبع نسي الوفد أو تناسى أي حديث عن الأصدقاء القدامى من الليبراليين المصريين الذين كان اللقاء بهم جزءاً من زيارة أي مسؤول رسمي أو وفد برلماني أميركي في السنوات الماضية.

وهو الأمر الذي كان يتحسب له النظام السابق ثم أصبح في حسابات جماعة الإخوان المسلمين بعد الثورة مباشرة، وجعلها تسعى للتحالف مع الوفد وبعض التيارات الليبرالية الأخرى (مثل حزب أيمن نور) لكي يكونوا جسراً لها إلى واشنطن والغرب، وحتى لا تواجه مصيراً مثل مصير حكومة «حماس» التي عانت كثيراً بسبب المقاطعة. ثم كانت مفاجأة الانقلاب في الموقف الأميركي وإعلان واشنطن انه لا يوجد لديها أي «فيتو» على الإخوان المسلمين، بل إنها ستكون راضيه لو فازوا في الانتخابات.

وهنا تغيرت المواقف، ولم يعد التحالف مع التيارات الليبرالية له أهميته السابقة لدى الإخوان، ولم يعد التواضع مطلوباً عند الحديث عن حصة الجماعة وحزبها في البرلمان، وبعد أن كانت تقول إنها لن تقدم مرشحين إلا على 30% من مقاعد مجلس الشعب، أصبح السعي للأغلبية مطلوباً وممكناً.

فمنذ البداية كان لدى «الإخوان المسلمين» موقف ثابت، وهو أنهم لن يدخلوا معركة الرئاسة، وعندما أعلن الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح عزمه على ترشيح نفسه تم إبعاده عن الجماعة لخروجه عن قرارها الملزم.

وطوال الفترة الماضية كان هناك إصرار على عدم تأييد الجماعة له باعتباره منشقاً عنها. كما حرصت الجماعة على عدم إعلان تأييدها للمرشحين الآخرين اللذين ينتميان للتيارات الإسلامية، وهما الدكتور سليم العوا والداعية حازم أبو إسماعيل. وكان التأكيد على الدوام أن الجماعة ستسعى إلى مرشح تتوافق عليه مع التيارات السياسية الأخرى، وأنه لن يكون بأي حال من أعضاء الجماعة.

وكان التفسير لذلك معقولاً، فالجماعة لا تريد أن تكون لها السلطة التنفيذية بجانب السلطة التشريعية، وبالتالي تتحمل المسؤولة كاملة عن أوضاع تراها صعبة وتستلزم مشاركة الجميع في تحمل أعبائها. والجماعة أيضاً تريد تجنب مسؤوليات لابد أن يقوم بها الرئيس خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل والاتصالات معها.

ومع ذلك فقد كان هناك اتجاه لدى جزء من شباب الجماعة لدعم الدكتور أبو الفتوح. وكان هناك إصرار من الداعية الدكتور يوسف القرضاوي على تخطئة موقف الجماعة من أبو الفتوح، بل واعتباره من «الآثام» التي ترتكبها الجماعة.

ثم شهدت الأسابيع الماضية عدة تطورات، بدأت مع الانقسام الحاد الذي وقع في ذكرى الثورة بين القوى الإسلامية (الإخوان السلفيون) الذين أرادوا الاحتفال بما حققوه من إنجازات توجوها بالسيطرة على مجلس الشعب، وبين شباب الثورة الذين رفضوا الاحتفال مطالبين باستكمال الثورة والقصاص للشهداء، ونجحوا في تعبئة الملايين فيما اعتبر إحياءً جديداً للثورة. بعد ذلك بدأ الحديث عن مرشح توافقي يحظى أساساً بدعم المجلس الأعلى للقوات المسلحة والإخوان المسلمين.

وتم تداول عدة أسماء منها منصور حسن رئيس المجلس الاستشاري، وعمرو موسى صاحب الحضور القوي في الشارع السياسي، ثم أخيراً طرح اسم نبيل العربي الذي بادر بنفي أي نية لديه للترشح بعد أن لقي ترشيحه هجوماً من اتجاهات عديدة سواء على شخصه، أو على مبدأ «التوافق» في حد ذاته.

ويبدو أن كل ذلك كان من باب المناورة وجس النبض أحياناً، أو قطع الطريق على البعض في أحيان أخرى. الجديد بعد ذلك في موقف «الإخوان المسلمين» الذي جاء على لسان المرشد العام للجماعة الدكتور محمد بديع حين قال إن المرشح الذي ستدعمه الجماعة لابد أن يكون ذا «مرجعية إسلامية».

وهذا يعني استبعاد الجماعة أن تعطي تأييدها لأبرز المرشحين حتى الآن عمرو موسى، أو للدكتور البرادعي إذا عاد عن اعتذاره عن الترشيح، أو لمنصور حسن إذا فكر في الترشيح. ولكن هل يعني ذلك إعادة النظر في موقف الجماعة من الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح؟ لا أظن ذلك.

تقول الجماعة الآن إنها ستدعم مرشحاً غير الذين في الساحة، والتغيير في موقف الإخوان المسلمين من قضية الرئاسة سبقته مناورة طرح فكرة تأليف وزارة ائتلافية بقيادة الإخوان تتسلم مسؤولياتها من الآن استناداً إلى الأغلبية في البرلمان.

والغريب أنه قد تم طرحها بعد أيام من تأكيد الإخوان على تأييدهم لبقاء حكومة الجنزوري حتى نهاية الفترة الانتقالية. كما تم طرحها مع مفرقة «الإخوان» ان تشكيل الحكومة هي مسؤولية المجلس العسكري الذي يقوم بسلطات رئيس الجمهورية وفقاً للنظام الرئاسي القائم حتى الآن في مصر.

ولكن يبدو أنهم أرادوا إيصال رسالة بأنهم لم يعودوا رافضين لفكرة تولي المسؤولية الحكومية، وأنهم قادرون على تحمل المسؤولية في المرحلة المقبلة. وإذا كان الأمر مرتبطاً بالسيطرة على موقع الرئاسة، فهم مضطرون لأن يكون هناك ربما ليس بمرشح منهم، ولكن بمرشح له مرجعية إسلامية ويدين لهم بالوصول إلى موقعه!