عادت مسألة "منظمات المجتمع المدني" لتكون مادة للبحث والنقاش والسجال بين من يدافع عن دورها "البناء"، باعتبارها جزءا من الدولة المدنية الحديثة، وأحد هياكل المجتمع الديمقراطي.
وبين من يهاجم دورها "الهدام" باعتبارها غربية المنشأ والتمويل والهدف، لاختراق المجتمعات العربية والإسلامية.. مما يجعلنا بحاجة للعودة إلى أول الحكاية من ظروف نشأة المصطلح، مرورا ببعض المحطات، لنصل إلى النهاية التي نشهدها في مصر الآن، حيث يقف بعض هذه المنظمات في قفص الاتهام أمام محكمة الجنايات المصرية، بتهمة اختراق السيادة الوطنية.
ومخالفة القوانين المصرية المنظمة لعمل الجمعيات الأهلية، والقيام بأنشطة سياسية من شأنها نشر الفوضى بهدف تفكيك الدولة. وهو ما سبب التوتر في العلاقات المصرية الأميركية المثار حاليا في الكونغرس الأميركي، على خلفية هذه الأزمة المثيرة.
وهذا يعيد إلى الأذهان الدور السياسي المشبوه، الذي قام به بعض تلك المنظمات الممولة والمبرمجة أميركيا وغربيا، استغلالا لظروف وأزمات داخلية، لتغيير أنظمة غير موالية للغرب. وأكتفي هنا بمثالين مختلفين؛ الأول دورها في تفكيك الدولة الاتحادية اليوغسلافية "الشيوعية"، بعد اختراقها "مدنيا" وضربها عسكريا. والثاني تفكيك الدولة العثمانية "الإسلامية"، بعد اختراقها "مدنيا" وضربها عسكريا!
ففي ظروف أوروبية غربية خالصة، نشأ مصطلح "المجتمع المدني" في منتصف القرن الثامن عشر، ليعكس الواقع التاريخي الأوروبي الغربي، بأبعاده الاجتماعية والسياسية والدينية. غير أن هذا المصطلح توارى لقرن كامل وراء مسميات بديلة، كالنقابات والجمعيات الأهلية. وبعد الحرب العالمية الأولى التي تورطت فيها الإمبراطورية العثمانية.
وسعي الغرب لهزيمتها وتفكيكها ووراثة نفوذها، عن طريق الجمعيات السرية والعلنية المدعومة من الغرب، كجمعية "الاتحاد والترقى" التركية وغيرها، عاد مصطلح "المجتمع المدني" للظهور مرة أخرى، بعد دور منظماته في اختراق وهزيمة وتفكيك الدولة العثمانية (قسمت إلى أكثر من عشرين جزءا)، بل وبداية الحقبة الاستعمارية للمنطقة العربية والإسلامية.
وعلى ناحية أخرى، وبعدها بنحو قرن، حدث شيء مماثل، يوضحه نص وثيقة كاشفة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية، مصنفة "سري جداً"، تسربت قبيل انقضاض حلف الناتو على يوغسلافيا عام 1999.
حول خطة عمل محددة لتمويل هيئات المجتمع المدني في يوغسلافيا، للتعجيل بإسقاط نظامها ونشر القيم الأميركية وتفكيكها، تحت عنوان: "دولة صربية ديمقراطية" (قسمت إلى ست دول)، وكانت الوثيقة التي تحمل ختم مؤسسة "البلقان ـ السي آي إيه" قد صدرت أولاً بتاريخ 16 ديسمبر 1998، مما يجعلها جزءاً من الحملة المعلنة والمستترة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الأميركية في البلقان.
وبغض النظر عن رفضنا لسياسة نظام يوغسلافيا السابق تجاه المسلمين فيها قبل هجوم "الناتو"، فإن هذا الهجوم الذي كان تحت لافتة "حماية المسلمين"، جاء أساسا بسبب موقعها الجغرافي السياسي الذي يشكل عائقا لاستراتيجية "الناتو" للتوسع شرقا. ومن هنا، فإن هذه الوثيقة الكاشفة، والتي يمكنكم قراءتها على الانترنت تحت عنوان "التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني"، تقدم نموذجاً نمطيا لاستخدام هذا التمويل في عمليات الاختراق والتفكيك في كل مكان.
وأمامي أيضا إحدى الدراسات الحديثة التي أجراها "مركز خدمات التنمية" في مصر، والتي تظهر استغراب غالبية المجتمع المصري لمصطلح ومفهوم "المجتمع المدني"، وتفضيله لمصطلح ومفهوم "الجمعيات الأهلية" التي لها جذور لغوية وروحية واجتماعية وأبعاد إنسانية وخيرية وتعاونية أعمق.
وبطبيعة الحال، فإن مصطلح "المجتمع المدني"، مثله مثل مصطلح "العلمانية" أو "الليبرالية" أو "الشيوعية"، ظهر أولا في مواجهة واقع أوروبي آخر غير الواقع العربي، وفي سياق حضاري غربي مسيحي غير السياق الحضاري العربي الإسلامي، وفي إطار تطور اجتماعي آخر هناك غير التطور الاجتماعي هنا..
ولأن "المجتمع المدني" من المصطلحات التاريخية التي تعددت مفاهيمها وأهدافها على مر العصور، ينطلق المهتمون به والمعنيون بأهدافه، من خلفيات وتجارب سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية مختلفة، مما أدى إلى فهمه والتعبير عنه والخلاف حوله برؤى مختلفة. وتستعرض الدراسة الخلفية الغربية التي نشأ من واقعها هذا المصطلح.
مشيرة إلى مظاهر أوروبية ثلاثة؛ اجتماعية وسياسية ودينية.. الأول، باعتباره البديل لسلطة الكنيسة على المجتمع، وثانيا، البديل لسلطة الدولة الإمبراطورية وثنائية الراعي والرعية من جهة، وثالثا، البديل لهيمنة الأسرة التي تتمثل في الأب الذي يتحول في النظام الأبوي البطريركي إلى زعيم للقبيلة.
في ظل هذا الواقع الأوروبي نشأ هذا المصطلح، الذي يعنى بإيجاد مؤسسات أهلية غير حكومية وغير كنسية، تملك من التأثير والفعل عن طريق النفاذ للنقابات العمالية والجمعيات الأهلية، ما يجعلها مؤسسة موازية للمؤسسة الحكومية وللمؤسسة الدينية، بل وساعية للحد من سيطرتهما.
وفي السنوات الأخيرة، عاد هذا المصطلح للتردد بقوة، عبر قنوات وصحف الدعاية الغربية في إطار "العولمة"، لتوظيفه بهدف تذويب الهوية الدينية وتحجيم المشاعر القومية وتقليص مفهوم السيادة الوطنية، ونشر مفاهيم الليبرالية السياسية والاقتصادية، وتقليل دور الحكومات في الإنتاج والخدمات وفي التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
كما انتشرت جمعياته ومنظماته بتمويل من المؤسسات الغربية، وخاصة الأميركية، ضمن محاولات "أمركة "المنطقة العربية والإسلامية، تحت لافتة خادعة هي "دمقرطتها"! وقد اشتدت وتيرتها ضمن "استراتيجية القرن الأميركي" للهيمنة على العالم، وفي إطار "مشروع الشرق الأوسط" الجديد الصهيوني، والكبير الأميركي، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تحت مزاعم نشر الديمقراطية السياسية.
وقد أثارت تسمية هذه الجمعيات الأهلية والمنظمات الشعبية بمصطلح "منظمات المجتمع المدني"، جدلا فكريا وسياسيا وتساؤلات واعتراضات، لدى عدة قطاعات لعدة اعتبارات.. فبعضها وقف ضد نشأة هذه المنظمات من الأصل، بسبب ارتباطها بأجندة غربية، وتحديدا أميركية، لخدمة أهدافها باختراق المجتمعات العربية والإسلامية، على أساس أنه لم يثبت يوما أن الولايات المتحدة الأميركية هي كبرى الجمعيات الخيرية الإنسانية العالمية.
وبتساؤل استنكاري واضح هو.. أية مدنية وأية حقوق وإنسانية، وأميركا الداعمة والممولة لهذه المنظمات، لا تعرف سوى الوسائل العسكرية في التعامل مع دول العالم؟! وكيف تناصر أميركا الحقوق الإنسانية وهي التي فقدت الأهلية بانتهاكات حقوق الإنسان في "غوانتانامو" وسجون العراق، وفي دعم السطو الإسرائيلي على حقوق الإنسان الفلسطيني، وتسليح الإرهاب العنصري الصهيوني بأسلحة العدوان والقتل والخطف والبطش والتهجير؟!
والبعض ينظر إلى هذه المنظمات والجمعيات والمكاتب والمراكز، بريبة عالية، لضغوط الغرب في اتجاه نشر جمعيات ومنظمات المجتمع المدني، بينما يضغط هذا الغرب نفسه بشدة على الحكومات العربية والإسلامية، لإغلاق جمعيات خيرية ومنظمات إنسانية ذات مرجعيات إسلامية، ويناهض مشاركة التيارات الإسلامية المدنية والسلمية التي تلتزم بالقواعد الديمقراطية في الحياة السياسية، مثلما حدث في الجزائر وفي فلسطين وما جرت وتجري محاولته في مصر، بل والتطلع إلى ما بعد مصر.. وهذا هو الأخطر!