بانوراما الصراع داخل حزب كاديما الإسرائيلي

ت + ت - الحجم الطبيعي

بات حزب كاديما (إلى الأمام) الإسرائيلي في حالة لا يحسد عليها، في ضوء التداعيات والهزات العنيفة التي بدأت تطل وتفصح عن نفسها بين رؤوسه القيادية وعدد من أركانه، المتنافسين على موقع رئاسة الحزب في انتخاباته الداخلية المقرر إجراؤها نهاية مارس القادم 2012.

وحزب كاديما، الذي تقوده الآن رئيسة الوزراء السابقة تسيبي ليفني، التي نشأت داخل مدرسة جهاز الاستخبارات الخارجية (الموساد)، يمثّل حزب المعارضة الرئيسي لحكومة نتنياهو، كما يمثل تيار يمين الوسط داخل التشكيلات الحزبية الإسرائيلية، التي تعاود إنتاج تفريخات وتكتلات حزبية جديدة، عقب اقتراب كل دورة انتخابية للكنيست (البرلمان).

الأزمة الطاحنة داخل كاديما، لا تتمحور حول برنامج فكري أو رؤية سياسية، بمقدار ما تتمحور على خلفيات الصراع التنظيمي والتنافس غير المبدئي الجاري عموماً في الحياة السياسية والحزبية الإسرائيلية، حتى وإن تلحفت تلك الصراعات بثوب سياسي أو بقميص فكري.

عناصر المشهد داخل حزب كاديما، تتركز الآن بين أربعة متنافسين على موقع رئاسة الحزب في الانتخابات الداخلية القادمة. فهناك رئيسة الحزب الحالية ليفني، وهي تتربع على موقع الطامح لتجديد قيادتها للحزب.

وهناك المتنافس الثاني الجنرال الفاشي المتطرف اليهودي الإيراني الأصل، شاؤول موفاز رئيس الأركان السابق، المتخم بالفساد وحامل نزوات السلطة، وصاحب نظريات ورؤى سياسية تتقاطع مع برنامج اليمين العقائدي داخل حزب الليكود، الذي ولد من مخاضاته أساساً حزب كاديما. وشاؤول موفاز شخص متهور بالمعنى السياسي وحتى الأخلاقي.

ويعتبره البعض في إسرائيل الشخص المسؤول بقدر كبير عن تحطم حزب كاديما والمآلات المتوقعة له، لكنه يراهن على ماضيه العسكري الممتد لنحو أربعين سنة في الجيش الإسرائيلي، الذي أصبح رئيساً لأركانه ووزيراً للحرب بعد ذلك.

أما المتنافس الثالث فهو رئيس المخابرات الداخلية، أو ما يطلق عليه "الشين بيت" أو جهاز "الشاباك"، الجنرال آفي دختر صاحب التاريخ الدموي، وحامل المواقف السياسية الأقرب لليمين العقائدي في حزب الليكود، كسابقه الجنرال شاؤول موفاز.

أما المتنافس الرابع المتوقع، فهو الوزير السابق وعضو الكنيست اليهودي المغربي الأصل مائير شطريت، الذي يتميز عن سابقيه بحنكة سياسية أثراها طوال خدماته الوزارية المتعددة، وطوال خدماته السابقة في حزب الليكود، قبل أن ينشق منضماً إلى مجموعة حزب كاديما. ومع ذلك فإن المؤشرات تشي بأن مواقف مائير شطريت، أقرب إلى الجنرال موفاز منها إلى تسيبي ليفني وآفي ديختر.

إن تسيبي ليفني تراهن على مستقبلها السياسي داخل حزب كاديما، وتراهن على فوزها والتجديد لها مرة ثانية في رئاسة الحزب، متكئة على تاريخها الاستخباراتي العريق داخل "الموساد" منذ صباها.

وقد شاركت في عشرات العمليات الخارجية للموساد، وفي أكثر من مكان على وجه المعمورة. كما تراهن على ماضي والديها اللذين كانا من المتحلقين والعاملين في صفوف حزب "حيروت" اليميني الذي أنجب حزب الليكود.

وهو الحزب الذي أسسه اليهودي الروسي الأصل فلاديمير جابوتنسكي (اسمه الروسي الحقيقي جوزف ترمبلدور)، أحد المؤسسين الأوائل للمشروع الاستيطاني الصهيوني على أرض فلسطين. إن شاؤول موفاز.

ومن موقع المنافس الرئيس لتسيبي ليفني، يرفع شعاره في المنافسة معها تحت عنوان "موفاز لرئاسة الوزراء"، فهو يراهن في فوزه برئاسة الحزب على ماضيه العسكري، مروجاً في الوقت نفسه لمقولة أن امرأة لا تستطيع أن تدير الأزمات الكبرى التي تواجهها إسرائيل، كالملف الإيراني والمفاوضات مع الفلسطينيين وما إلى ذلك.

موفاز استهل حملته الانتخابية داخل عموم أعضاء حزب كاديما، بطرح استراتيجيته الجديدة، مضيفاً إليها المزيد من دراما السخرية والتشهير، من خلال قوله "لن أخوض المزيد من الهجمات الفظة على خصمي تسيبي لفني، وإنما سأعدها بتعيينها في منصب بارز في حكومتي". أما حظوظ ديختر وشطريت فلن تكون كبيرة أو واسعة، في ضوء احتدام المنافسة منذ فترة بين ليفني وموفاز.

وإضافة إلى ما سبق، فإن مواقف وتحليلات المتابعين داخل إسرائيل، تتجه للقول إن تسيبي ليفني كانت مثل "من يأتي بالدب إلى كرمه"، فقد أخطأت حينما عينت شاؤول موفاز في المكان الثاني في الحزب قبل عدة سنوات، بعد مغادرة إيهود أولمرت رئاسة الحزب وتسلمها القيادة منه.

وبهذا بنت بيديها خصمها في الداخل. وقد حدا هذا بصحفي إسرائيلي لتقديم قصة واقعية وطريفة عن العلاقات بين ليفني وموفاز، فالعلاقات بين الاثنين ذكرته بقصة عن شركتين إسرائيليتين تنافستا في بيع سلعة ما لسنغافورة. وكان تبادل القذف بينهما مفرطاً جداً، حتى إن المشتري في سنغافورة صدقهما معاً واشترى المنتوج من فرنسا.

إن حزب كاديما أمام أزمات قد تودي بوحدة الحزب، وستخفص في أفضل الحالات من حظوظه في انتخابات الكنيست القادمة بعد عام ونصف تقريباً، فيما بات يصعب اجتراح حلول للمشكلات المستعصية بين أقطابه.

وهي المشكلات التي لها علاقة أساساً بالصراعات غير المبدئية والتنافس على الموقع الأول. إن أحد أعضاء الكنيست من حزب كاديما، يقترح كمخرج للحزب من أزماته "أن يُضرب موفاز وليفني بمطرقة وزنها خمسة كيلوغرامات، عسى أن يصحو كل منهما ويغادرا صفوف المنافسة غير المبدئية بينهما، وينقذا الحزب من التفكك أو الانشطار".

 

طباعة Email