تراجع شعبية الرئيس الأميركي باراك أوباما في استطلاعات الرأي عندما يكون على طبيعته، أي عندما يفرط في التعرض للأضواء، ويظهر كيساري متشدداً في مؤتمراته الصحافية، ويتباهى بشأن إنجازاته التشريعية، مثل برنامج "أوباما كير"، الحافز للاقتصاد الأميركي بما يتجاوز تريليون دولار.
ثم حدث أمر غريب، فقد أصبح أوباما هادئاً إلى حد كبير، وكان غالباً بعيداً عن الأنظار، إما يمضي إجازته في هاواي، أو يلعب الغولف. وبدا الأمر تقريباً وكأنه أدرك أنه كلما شوهد أو سمع بدرجة أقل، فضل الأميركيون فكرة كونه رئيساً للبلاد، على واقع وعظه المتواصل وقوله: "كونوا أكيدين من ذلك"، و"دعوني أكن واضحاً تماماً".
ويتقدم أوباما الآن على منافسيه المحتملين من الحزب الجمهوري في استطلاعات الرأي، إذ انتظر أن يقوم الجمهوريون الصاخبون بجذب الانتباه الوطني في المناقشات والانتخابات التمهيدية، قبل أن ينتقل إلى أقصى اليسار لغرض تدعيم قاعدته. لذا فيما كان الشعب الأميركي يتسلى ويشمئز ويشعر بالضجر من الجدال المستمر، حول تجارة ميت رومني وزيجات نيوت غينغريتش والفلسفة الفورية، عمد أوباما الواقعي إلى إلغاء مشروع خط أنابيب "كيستون" الحيوي.
وتهيأ بقدر أكبر من الهدوء، ليطلب من الكونغرس رفع سقف الدين الأميركي إلى أكثر من 16 تريليون دولار، من أجل استيعاب عجزه السنوي المتهور، الرابع على التوالي، والبالغ أكثر من تريليون دولار، فيما كان يخطط لخفض ميزانية الدفاع خلال السنوات العشر المقبلة.
وهل هناك من لاحظ أنه قام بتعيينات مثيرة للجدل خلال "عطلة" مجلس الشيوخ، الذي كان قد عارضه حين كان عضواً في مجلس الشيوخ، في الوقت الذي اعتقد كثيرون أن الكونغرس لم يكن حقاً في عطلة؟
ونادراً ما يتحدث أوباما الآن عن إنجازاته المفترضة التي مهرها بتوقيعه، بما في ذلك "تجهيزات" العجز الضخمة، وبرنامج "أوباما كير" الذي لا يحظى بشعبية واسعة. ولم يسيطر الجمهوريون على مجلس النواب سوى في العام الماضي، ومع ذلك فإن أوباما يهاجمهم بشدة الآن لوقوفهم في وجه ما كان يطمح نظرياً إلى فعله كرئيس.
وفي المقابل، فإنه لا يثني إلا بالكاد على الديمقراطيين الذين سيطروا على مجلسي النواب والشيوخ، لضعف تلك المدة، وسنوا كل ما راق له من قوانين. وكم هو غريب أن يسكت المرء عن النجاحات، لا لشيء إلا للحديث عن الاحتمالات الفاشلة!
والآن، يخوض الرئيس أوباما حملته الانتخابية على أحداث وقعت على الرغم منه، لا بسببه، إذ عمد مجلس وزرائه إلى تقليص عقود إيجارات النفط الاتحادية بنسبة 40%، ودعم الشركات الخضراء الخاسرة والمفلسة الآن.
وقد أعرب هو في ما مضى، عن رغبته في أن ترتفع أسعار الغاز والكهرباء بشكل كبير، لإكساب الطاقة البديلة تكلفة تنافسية. غير أنه في الآونة الأخيرة، راح يتفاخر بأن أميركا تضخ كمية من النفط لم تضخها من قبل. وعلى نحو مفاجئ، لم يعد الغاز الطبيعي ملوثاً يسبب الاحتباس الحراري، وإنما مصدر طاقة مرحباً به إلى حد كبير.
ولم يذكر سبب هذا السخاء غير المتوقع في مجال الطاقة، إذ إن الركود الاقتصادي بين عامي 2009 و2012 كبح الطلب على الطاقة، بينما استخدم أصحاب المشاريع الخاصة تقنيات التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي في أراض خاصة في مجملها، محدثين ثورة في مجال إنتاج الوقود الحفري.
ومرة أخرى، يبدو أن أوباما ينسب إلى نفسه الفضل في ما يتعلق بأمور حدثت رغم معارضته، كما لو أنه يقول: "سوف تحبون ما لم يسمحوا لي بفعله". وفي التقليد العريق للسياسة الأميركية، تعود نجاحات الآخرين إلى أوباما، وتعود إخفاقات أوباما إلى الآخرين.
وسواء حين كان مرشحاً أو في بداية فترته الرئاسية، انتقد أوباما بشدة جميع بروتوكولات مكافحة الإرهاب التي وضعها كل من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ونائبه ديك تشيني، باعتبارها إما غير ضرورية، أو غير قانونية. وكانت حرب العراق حرباً "غبية"، وزيادة القوات الأميركية إجراء فاشلاً.
ولكن حين أصبح رئيساً، وسع أوباما نطاق هذه التدابير الاستخبارية، واستخدم جيشاً معززاً لقتل أسامة بن لادن ومطاردة زعماء تنظيم القاعدة. والتزم الجدول الزمني الذي حدده كل من بوش والجنرال بترايوس للانسحاب من العراق، وأشاد بنجاح أميركا في بناء دولة هناك.
ويمكن للمرء أن يستنتج تقريباً، أن أوباما يشعر بالسعادة الآن لأنه لم يف بوعوده السابقة بإغلاق معتقل غوانتانامو، وإنهاء عمليات الترحيل السري والمحاكم، وتحجيم قانون "الوطنية"، والخروج من العراق بحلول مارس من عام 2009. ولا يزال جورج بوش يلام على ما يعانيه الاقتصاد الأميركي حالياً من ركود، فيما لا تتم الإشادة به إطلاقاً لصياغته التدابير الأمنية التي تقف وراء نجاحاتنا الحالية.
وفي العام الجاري، لن يتحدث أوباما كثيراً عما قام به بالفعل خلال عامي 2009 و2010، ولكنه سيتحدث بدرجة أكبر عما كان يريد القيام به، ولكنه منع من القيام به، خلال عامي 2011 و2012.
وسيخبر الرئيس قاعدته، بأنه رغب حقاً في التحول إلى الطاقة الخضراء بشكل كبير، في الوقت الذي سيخبر أميركا الوسطى بأن الكثير من رجال النفط مضوا قدماً بمفردهم للبحث عن مصادر غاز ونفط جديدة.
وبالنسبة لأنصار أوباما الليبراليين، فهو أراد بالفعل إنهاء بروتوكولات مكافحة الإرهاب، أما بالنسبة لسائر الأميركيين، فهو وجد تلك البروتوكولات نفسها ضرورية للقضاء على الإرهابيين.
الرسالة واضحة؛ إذا لم ير الناخبون أوباما اللاأوبامي الجديد أو يسمعوه بدرجة كبيرة، وإذا انحرف عن أجندته التشريعية اليسارية، وإذا أمكن للقطاع الخاص أن يتجاهله، فإن الناخبين قد يواصلون نوعاً ما تأييدهم لفكرة إعادة انتخابه رئيساً للبلاد.