قطعت الدول المتقدمة في أنحاء عديدة من دول العالم، أشواطاً بعيدة في التعاطي مع المفاهيم التي طرحتها الألفية، مثل الشفافية والاستدامة والحوكمة والتنافسية والجودة.. بل ومضى معظم هذه الدول في إيجاد السبل التي تساعد على نشر هذه المفاهيم، من أجل وضعها موضع التنفيذ، عبر الممارسة الفعلية واستحداث المقاييس ومؤشرات الأداء اللازمة.
وقد استطاعت دولة الإمارات مجاراة الدول المقدمة في تفعيل معظم تلك المفاهيم، وخاصة بالنسبة لحقوق الملكية الفكرية، والتي تشمل حقوق المؤلفين من الكتاب والفنانين والأدباء، والحقوق المجاورة وحماية براءة الاختراع والعلامات التجارية، ومكافحة القرصنة الإلكترونية وغيرها.
ما أود إيضاحه في هذا الصدد، أنه رغم الجهود المبذولة، لا تزال هناك حاجة لمزيد من الجهد للتعريف بقضايا الملكية الفكرية، وسط كل قطاعات المجتمع، بدءاً من المدارس والمؤسسات التربوية والتعليمية باختلافها وتعددها، حتى يتشبع مجتمعنا بمفاهيم ثقافة الملكية الفكرية. ويتطلب ذلك سلسلة من الجهود التي ينبغي أن تقوم بها جهات عديدة، عبر تنسيق وشراكة حقيقية.
لأنه واهم من يظن أن قضايا الملكية الفكرية من اختصاص وزارة الاقتصاد وحدها، التي يتعين عليها نشر ثقافة الملكية الفكرية، ذلك أن المهتم يدرك أن الملكية الفكرية لها أبعاد اقتصادية وتجارية وثقافية وفنية وفكرية.
ومن ثم فإن جهات عديدة لا بد لها أن تسهم في نشر ثقافة الملكية الفكرية، لحماية الحقوق والدفاع عنها. وأرى أن جهوداً مضاعفة لا بد أن تبذل، لا لشيء إلا لحماية مجتمعنا من المخاطر التي تترتب على الإهدار والانتهاك الصريح لحقوق الملكية الفكرية.
ولعل كثيرين يعتقدون أن إثارة مسائل الملكية الفكرية، نوع من الترف الفكري المجرد! وأمثال هؤلاء لا يدركون حجم الآثار السلبية، التي تقع على الاقتصاد الوطني جراء انتهاكات حقوق الملكية الفكرية. ونحن إذ ندق جرس الخطر من منطلق المسؤولية الوطنية، يهمنا لفت نظر جهات أخرى رسمية وغير رسمية، لتعي دورها في أهمية الدفاع المشروع عن قضايا الملكية الفكرية. والحديث ينصب تحديداً، على وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، ووزارة العدل، والدوائر المحلية.
ولعله من الأهمية بمكان، التنبيه إلى أن المجتمع الدولي يولي اهتماماً خاصاً بقضايا الملكية الفكرية، بدليل أن الجمعية العامة للأمم المتحدة صادقت منذ أعوام، على تأسيس المنظمة العالمية للملكية الفكرية، التي تتخذ من العاصمة السويسرية (جنيف) مقراً لها، وتمت مطالبة كل دول العالم بالانضمام إلى عضوية المنظمة.
ومعلوم أن الإمارات كانت قد بادرت وأصبحت عضواً في هذه المنظمة الدولية، إلا أن ذلك وحده لا يكفى. فالدولة تدفع سنوياً ملايين الدولارات نظير الانضمام إلى وكالات إقليمية ومنظمات دولية، ولا بد أن يتوازى مع ذلك جهد لتفعيل دورنا في هذه المنظمات، لإثبات وجودنا.. ليس كمجرد أعضاء، ولكن كأعضاء فاعلين ومؤثرين.
أعود لأقول، إن اليد الواحدة لا تصفق، ومن هنا دعونا ندعوا كل الجهات ذات العلاقة، لتفعيل دورها لنشر ثقافة الملكية الفكرية. وهنا لا بد أن ننوه إلى أن دوراً متعاظماً يقع على عاتق القطاع الخاص، واتحاد الغرف التجارية تحديداً، من أجل مناهضة كل أشكال الممارسات التجارية المشبوهة، المتصلة بالغش التجاري والقرصنة وتقليد السلع والبضائع، وهي ممارسات رائجة، أخذت تنتشر وتتسع في مختلف دول العالم، ومنها الإمارات.
ولا شك أن إنشاء محكمة للنظر في التجاوزات التي تلحق أضراراً بحقوق الملكية الفكرية، يعد خطوة مهمة على الطريق الصحيح، ولكن الأهم من ذلك هو ضرورة التنسيق بين الأجهزة المتعددة المعنية بقضايا الملكية الفكرية، مثل وزارة الاقتصاد، ووزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وغرف التجارة والصناعة وغيرها من الهيئات والمؤسسات المعنية.
لهذا، بل ولكل هذا، نحن مطالبون بتضافر الجهود لحماية حقوق الملكية الفكرية، ولتبقى دولة الإمارات العربية المتحدة بيئة نظيفة من مثل هذه الممارسات، ومشجعة وجاذبة للاستثمار، بل وللإبداع والابتكار، خصوصاً بعد صدور قانون حماية الملكية الفكرية، الذي يدين أي ممارسات أو تجاوزات تسيء لحقوق الملكية الفكرية، عبر محاكم للبت فيها وإعادة الحقوق لأصحابها.