ما أشد التباين بين المشهدين.. فقبل عام بالضبط، كانت مصر تعيش حالة من الفرح الأسطوري، بعد نجاح "الثورة" في إسقاط النظام السابق، وبصورة لم تكن في الحسبان، وبأقل التكاليف البشرية والمادية.

لقد خرج الناس يتظاهرون وسقف مطالبهم في البداية إسقاط وزير الداخلية، وحل مجلس الشعب الذي جاء بانتخابات لم يسبق أن شهدت مصر مثيلاً لها في التزوير. ومع استمرار الملايين في تظاهراتهم وفشل النظام السابق في التعامل مع الأزمة، وانهيار جهاز الشرطة، ومع الأهم وهو انحياز الجيش للثورة، انتهى الأمر بعد ثمانية عشر يوما فقط، بتخلي الرئيس السابق مبارك عن الحكم، وبداية عهد جديد انطلقت فيه آمال المصريين إلى أبعد حدودها.

في الخارج.. كان الانبهار شديداً بقدرة شعب مصر، من خلال التظاهر السلمي فقط، على تحقيق ما كان أشبه بالمعجزة، وبإسقاط نظام كان يبدو راسخاً في موقعه، متمتعاً بكل أسباب الاستمرار وربما التوريث. وكان الانبهار أكثر بسلوك شباب الثوار المتحضر، الذي جعل الرهان على المستقبل الرائع الذي ينتظر مصر أمراً مشروعاً، وجعل وعود المساعدة تتوالى والطموحات تتزايد.

الآن، وبعد عام من رحيل مبارك عن الحكم، يبدو المشهد مختلفاً، كما شرحنا في الأسبوع الماضي. وها هو الدكتور الجنزوري رئيس الوزراء، يصف الموقف بأنه أخطر مما كان بعد هزيمة 67، التي استطاع الشعب التصدي لها بوحدته، وبالتفافه حول قيادته الوطنية.. ولكن المشكلة الآن أن الوحدة غائبة، وأن القيادة التي بحجم جمال عبد الناصر لا تتوفر في كل يوم!

سوء إدارة الفترة الانتقالية في العام الماضي أدى إلى تعقيدات بالغة الخطورة في الموقف الداخلي. انقسم الجميع على الجميع، وباتت كل خطوة يفترض أن تكون جزءاً من الحل، تتحول إلى جزء يزيد من تعقيد الوضع. مجلس الشعب، ببساطة، لا يعبر عن قوى الثورة، وبالتالي أضاف صراعاً جديداً بين شرعية البرلمان وشرعية الميدان.

الأحوال الاقتصادية مرتبكة، في ظل توقف السياحة وتراجع الاستثمار وعدم وصول المساعدات. الأمن ـ رغم الجهود التي بذلت ـ يتعرض لانتكاسات تبدو مدبرة ومخططاً لها، كما حدث في مذبحة بورسعيد وما تبعها من اشتباكات حول وزارة الداخلية ومديريات الأمن في المحافظات، والأخطر هو تجدد التهديدات الموجهة للملاحة في قناة السويس، مع تصاعد الدعوة للعصيان المدني.

لكن يبدو أن ما جعل الجنزوري يربط بين الموقف الحالي وبين الموقف بعد نكسة 67، هو البعد الجديد الذي طرأ على الموقف، والمتمثل في التردي السريع للعلاقات بين القاهرة وواشنطن، ليبلغ الأمر حد التهديد ـ لأول مرة ـ من جانب بعض قيادات الكونغرس الأميركي، بقطع العلاقات الدبلوماسية، وليس فقط قطع المعونة المالية أو خفضها كما كان يحدث سابقاً!

الأزمة التي بدأت قبل شهور بإصرار الحكومة المصرية، على أن يكون أي تمويل أجنبي لمنظمات المجتمع المدني العاملة في مصر، بعلمها وتحت إشرافها، ورفض واشنطن ذلك، انتهت بتفتيش مقرات هذه المنظمات، ومصادرة ما فيها من مستندات وأجهزة.

ومنع المسؤولين عنها من السفر، وبينهم 19 أميركياً منهم ابن وزير النقل سامي لحود (اللبناني الأصل)، ثم تحويلهم للمحاكمة بتهم تصل عقوبتها للحبس ثلاث سنوات، لأنهم يعملون في مصر بلا ترخيص وفي مؤسسات لم تحصل على الموافقة، ويحصلون على أموال محولة بطرق غير قانونية، وينفقونها في أغراض سياسية وليس في نشاطات تتعلق بحقوق الإنسان، كما تقول الاتهامات الموجهة لهم!

المثير أن كل القيادات الأميركية تدخلت؛ من وزير الدفاع إلى وزيرة الخارجية، إلى الرئيس أوباما نفسه الذي تحدث ساعة مع المشير طنطاوي لإنهاء الأمر، ولكن القضية سارت في طريقها، بدعوى أنه لا أحد في مصر يتدخل في أعمال القضاء.

والملاحظ أيضا أنه رغم ارتفاع لغة التهديد بقطع المعونات عن مصر(200 مليون دولا فقط معونة اقتصادية و1.3 مليار دولار معونة عسكرية)، فقد استقبلت واشنطن وفداً عسكرياً للتفاوض حولها، وعندما واجه الوفد بعض المضايقات جاءته الأوامر من القاهرة بقطع الزيارة والعودة.

وفور الإعلان عن ذلك، قالت واشنطن إنها ستوفد رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي للقاهرة، لإجراء مباحثات هامة حول القضايا المعلقة مع كبار المسؤولين المصريين!

ماذا يعني ذلك؟

يعني ـ بلا شك ـ أن القصة أكبر من عمل بعض منظمات المجتمع المدني الأميركية بلا ترخيص، وأكبر من 175 مليون دولار تم إنفاقها عبر هذه المنظمات، خلال أربعة شهور فقط بعد الثورة. وربما يعني أيضاً ما هو أكبر من الإشارة (مجرد الإشارة دون اتهامات حتى الآن) بالعثور في مقرات المنظمات الأميركية عند تفتيشها، على خرائط تقسم مصر إلى أربع مناطق(!) وخرائط أخرى للكنائس ومعسكرات الجيش(!).

ويعني ذلك أيضاً، أن ما لدى السلطات المصرية من وثائق أو أدلة ما يضع واشنطن في حرج. والقصة هنا لا تتعلق فقط بالضغوط الاقتصادية أو السياسية التي مارستها واشنطن على القاهرة منذ الثورة، ولكنها تتعلق ـ في الغالب ـ بالأمن القومي الذي تتعامل معه القيادة العسكرية الحاكمة، بالكثير من الحساسية، وبالكثير من المعرفة بالمخططات الأميركية للمنطقة!

مشكلة أميركا، أنها تريد الحفاظ على علاقتها الاستراتيجية بمصر، ولكن.. بالصورة التي كانت عليها خلال الأعوام الثلاثين الماضية. لا تريد لمصر أن تستعيد دوراً "عربيا" غاب، ولا تريد للعرب أن يستعيدوا مصر التي افتقدوها طويلا. وتعرف واشنطن أن الصدام مع القاهرة ثمنه كبير، ولكنها في نفس الوقت تريد أن تكون القاهرة هي الطرف الأضعف في أي علاقة، وألا تستعيد حرية القرار واستقلال الإرادة.

ومن ناحيتها.. تعرف القيادة المصرية أن واشنطن استفادت أضعاف ما استفادته مصر من المعونة التي قدمتها، وأنها حريصة على استمرار العلاقة، رغم التهديدات. ويذكر وزير الخارجية المصري السابق السفير العرابي، أنه حضر قبل فترة قليلة مؤتمراً لمسؤولين سابقين عن الشؤون الخارجية عقد في تركيا، وتحدث فيه وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، عن مصر وعن الربيع العربي.

وذكر كيسنجر أن ما يهم أميركا في علاقتها بمصر، هو ثلاث قضايا: استمرار علاقات السلام مع إسرائيل، وضمان حرية الملاحة وسلامتها في قناة السويس، ثم ـ وهنا المثير ـ ضمان استمرار اعتماد الجيش المصري على السلاح الأميركي!

لا شك أن واشنطن تدرك أن بقاء الوضع الذي يعتمد فيه الجيش المصري على السلاح الأميركي، يضمن لها ضبط الأوضاع العسكرية في المنطقة، والتأكد من عدم وجود أي تهديد لميزان القوى الذي تتحكم فيه إسرائيل. ولا شك أن واشنطن تذكر أن كسر مصر لاحتكار السلاح في الخمسينات، قلب المنطقة رأسا على عقب، وهي لا تريد للدرس أن يتكرر في ظروف بالغة الدقة والحساسية بالنسبة لها.

واشنطن تقول إنها توصلت إلى تفاهمات حول القضايا التي تهمها مع جماعة "الإخوان المسلمين"، بما فيها الحفاظ على المعاهدة مع إسرائيل! ولكنها تعرف أيضا أن هذا لا يضمن لها المستقبل إذا غاب التفاهم مع الجيش وقيادته. ولهذا تبقى الأزمة الحالية مفتوحة على كل الاحتمالات.

وإن كان العامل الحاسم فيها هو: هل واشنطن مستعدة لدفع الفواتير الباهظة لقطيعة مع القاهرة في هذه الظروف؟ أم هي مستعدة للتعامل مع "مصر أخرى" غير تلك التي تعاملت معها خلال الأعوام الخمسة والثلاثين الماضية؟!