في الذكرى الأولى للثورة المصرية، بدا واضحا أنها استعادت الكثير من وهجها وتخطت الكثير من العقبات، فالملايين التي ملأت ميادين التحرير في القاهرة والمدن الرئيسة، كانت بمثابة ميلاد جديد للثورة.

الإصرار على استكمال الثورة حتى تحقق أهدافها في الديمقراطية الكاملة والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، كان رسالة واضحة لكل الأطراف بأنه لم يعد ممكنا بعد الآن تجاهل صوت المواطن العادي، وأن شرعية الثورة ستبقى لفترة طويلة حاكمة للأحداث.

وفي الذكرى الأولى للثورة، كان واضحا أيضا عمق التحديات التي تواجهها.. فالفجوة بين الجيش وشباب الثورة تزداد اتساعا، وشرعية الميدان أصبحت في مواجهة شرعية البرلمان، الذي بدأ في ممارسة مهامه قبل يومين من ذكرى الثورة، والانقسام أصبح شديد الخطورة بين "الإخوان المسلمين" والتيارات السلفية من جانب، وبين باقي القوى الثورية والليبرالية واليسارية المنحازة للدولة المدنية من جانب آخر.

فالقوى الإسلامية تدافع عن المكاسب الكبيرة التي حققتها والسيطرة الكاملة على البرلمان، وهي غير مستعدة لأي تعديلات على البرنامج الموضوع لتسليم السلطة منتصف العام للمدنيين بعد انتخابات الرئاسة، وغير مستعدة للتنازل عن سيطرتها المرتقبة على لجنة وضع الدستور التي سيشكلها البرلمان الذي تسيطر عليه، بينما القوى الأخرى التي خرجت بالملايين في ذكرى الثورة، كانت تشعر بأن الثورة التي كانت هي وقودها قد خطفت منها، وأن الشهداء الذين سقطوا من صفوفها لم يتم القصاص لهم، وأن الأخطاء التي ارتكبها المجلس العسكري في الشهور الماضية، تجعل رحيله المبكر عن السلطة مطلبا له الأولوية.

الصدام بين الإخوان المسلمين وبين القوى الأخرى كان هو السائد في ميادين التحرير، وبعدها انتقل إلى محيط مجلس الشعب، حيث كادت تحدث كارثة حين اصطدمت تظاهرات الثوار مع ميليشيات الإخوان التي كانت تؤمن البرلمان وتمنع الاقتراب منه، خوفا من تهديدات قيل إنها وصلت إليهم عن مخططات لاقتحام البرلمان أو إحراقه، وهو ما نفاه الثوار تماما!.

مع الانقسام الحاد الخطير في قوى الثورة، كان هناك أيضا تصعيد خطير في الانفلات الأمني. وبعد أسابيع بدا فيها أن جهود استعادة الأمن تحقق تقدما منذ مجيء حكومة الجنزوري ووزير داخليته الجديد، إذا بموجة من الهجوم المسلح على البنوك وشركات الصرافة والاستيلاء على ملايين الجنيهات، مع تصاعد في قطع الطرق واحتجاز السياح، ثم اختطاف عدد من الخبراء الصينيين العاملين في مصنع في شبه جزيرة سيناء تابع للقوات المسلحة، التي تمكنت من الإفراج عنهم بعد مفاوضات مع البدو هناك. بين تجدد الأمل لدى قوى الثورة، وتصاعد محاولات القوى المعادية من أجل إجهاض هذه الثورة، جاءت الضربة الكبرى من بعيد..

من ملعب كرة القدم في مدينة بورسعيد، حيث انتهت مباراة فريق المدينة "فريق المصري" مع فريق النادي الأهلي، بمذبحة حقيقية راح ضحيتها حوالي ثمانين مشجعا أهلاويا، وطرحت العديد من الأسئلة أهمها بالقطع: هل بدأ سيناريو العنف والفوضى ليدمر الثورة التي كان أبرز سماتها أنها حققت ما حققته وهي تتمسك بأنها سلمية؟!.

في خلفية ما حدث، أن بورسعيد مدينة مهووسة بكرة القدم، ومباريات الفرق الكبيرة فيها (خاصة الأهلي والزمالك)، تبدو أشبه بالمعارك ودائما ما تحفل بالشغب، خاصة إذا انهزم فريق المدينة (فريق النادي المصري).. ومع ذلك فإن التقصير الأمني في حماية المشجعين وتأمين المباراة، يبدو مذهلا ومثيرا للارتياب، وهياج الجماهير واعتداؤها الوحشي الذي أسفر عن هذه المذبحة، يبدو غير منطقي من فريق فاز بالمباراة، وكان على مشجعيه أن يحتفلوا بالفوز ولا يحولونه لمأساة! والطريقة التي تم بها اقتحام المباراة في ثوان، بعد أن أطلق الحكم صافرة النهاية، تؤكد أن الأمر كان مدبرا ومخططا له من محترفين!.

وفي خلفية ما حدث، أن العلاقات بين قوات الشرطة وبين جماعات المشجعين (الألتراس)، وخاصة "ألتراس" النادي الأهلي، يشوبها التوتر الشديد. فهناك صدامات حدثت في مباريات سابقة، وهناك دور لهذه الجماعات في الثورة تزايد يوما بعد يوم، مع زيادة الوعي السياسي بشكل عام، بين شباب كان بعيدا عن السياسة تماما قبل الثورة. ولا شك أن من خططوا للمأساة الأخيرة، كانوا يضعون من بين أهدافهم أن يتحول الأمر إلى صدام واسع بين الشرطة وبين الملايين من شباب "ألتراس" الأهلي، في مدن مصر بعد المذبحة. وإذا كان ذلك لم يحدث في الملعب بسبب أن الشرطة لم تتورط في المذبحة، إلا أن الاتهامات تلاحقها بأنها تعمدت التقصير في حماية "ألتراس" الأهلي انتقاما منهم. والتظاهرات تملأ الميادين طلبا للثأر من الشرطة، ووزارة الداخلية تحت حصار عشرات الآلاف التي تحاول اقتحامها، والأمر ينذر بكارثة أخرى.

وفي خلفية ما حدث، عام كامل لم تنجح فيه الدولة في استعادة الأمن الذي انهار تماما مع قيام الثورة، لأسباب غير مفهومة. ثم كان الأسوأ هو غياب الحسم من جانب السلطات الحاكمة في مواجهة البلطجية والانفلات الأمني، سواء منها ما اكتسب الصفة الطائفية، كما كان الأمر في أحداث إمبابة وأطفيح التي لم يعاقب عليها أحد! وما كان بعد ذلك وحتى الآن، من أحداث قطع طرق واحتجاز مواطنين وتعطيل قطارات، بينما كانت القوة المفرطة تستخدم فقط في مواجهة تظاهرات سلمية، كما وقع في أحداث ماسبيرو، وشارع محمد محمود، ومجلس الوزراء، التي سقط فيها شهداء وتمت فيها انتهاكات فاضحة، كما حدث في فضيحة الفتاة التي تم سحلها.

أعرف جيدا هذا الملعب الذي شهد المذبحة، ذهبت إليه قبل سنين عديدة طفلا يستمتع بسحر الكرة حين كانت تلعب للمتعة، وحين كانت الجماهير تدخل الملاعب بأكياس البرتقال وبعض السندوتشات، وليس بالمطاوي والسيوف والصواعق الكهربائية! تابعت المذبحة التي جرت وعادت بي الذاكرة إلى الوراء.. في حرب 56 تحول هذا الملعب نفسه إلى ساحة للشهداء، الآلاف ممن سقطوا وهم يقاتلون في حرب غير متكافئة ضد قوات العدوان الثلاثي، نقلوا إلى هذا الملعب الذي تحول إلى مقبرة مؤقتة لأعز شهدائنا.

يومها كان صمود بورسعيد هو الذي أسقط العدوان، وكان الشهداء الذين ملأت جثثهم الطاهرة جنبات هذا الملعب، هم طاقة النور التي أضاءت لمصر وللعرب وللعالم الثالث كله، الطريق إلى الحرية والاستقلال. مشهد آخر تستعيده الذاكرة من سنوات بعيدة.. في نهاية الخمسينات وفي نفس الملعب، مباراة بين النادي المصري وناد آخر، أظن أنه من مدينة السويس، تنتهي بمعركة رهيبة سقط فيها ضحايا وجرحى، وأغلقت المدينة تماما لأيام، وكانت مأساة حقيقية.

لكن كانت هناك في النهاية دولة سيطرت على الموقف، وانتهى التوتر حين ذهب عبدالناصر للمدينة في زيارته السنوية في عيد الانتصار على العدوان الثلاثي، واستوعب الموقف وحل المشاكل المعلقة، وعبر الأزمة مع شعب المدينة التي أحبته ووثقت بقيادته، وارتبط اسمها به على مدى التاريخ. الآن.. تضع "مذبحة بورسعيد" مصر في مفترق طرق صعب.. في ظل ثورة مازالت تبحث عن قيادتها، وثوار يشعرون بأنهم خدعوا، وصراع بين شرعية الثورة وشرعية الاستقرار، وانقسام بين قوى الإسلام السياسي وقوى الدولة المدنية، ومؤامرات لا تريد لمصر أن تنهض مرة أخرى، وأعداء للثورة يستغلون أخطاء إدارة الفترة الانتقالية لكي يقودوا مصر إلى الفوضى.. فهل ينجحون؟.. هذا هو السؤال!.