لم يكن من عاداتي الكتابة عن الأشخاص، إلا ما ندر، ولكن هذه الفكرة ليست القاعدة العامة، ففي أحيان تجد نفسك لا تملك إلا أن تستعرض، وتعود بك الذاكرة إلى أيام، بل وإلى سنوات مضت من العمر، دون ذكرها عدداً، محافظاً على خصوصية ذلك التاريخ.

بالأمس تذكرت مجموعة من الأصدقاء، سواء القدماء منهم أم الجدد، وساعد على ذلك الجو الغائم من دون مطر، ونسمات الهواء الباردة، والتي تنعش الجسد، وتحفّز العقل على التفكير بهدوء تام. إن الإنسان المعاصر بحاجة إلى خلوة مع الذات بين الحين والحين، حيث إن عجلة الحياة السريعة، ومتطلباتها تحول دون ذلك.

من الشخصيات التي أعتز بمعرفتها، ذلك الإنسان والشاعر والمخلص للإنسانية والوطن محمد بن حاضر ـ رحمه الله - حيث أن التعرف عليه من قرب يبين معدنه النقي، وإنسانيته الراقية، فهو الذي يمد يد العون من دون إعلان، ويخدم حتى أولئك الذين لا يعرفهم تماماً، بل تجده على أتم الاستعداد لانتشال إنسان من همومه، سواء المادية أو المعنوية.

كان من العادات القديمة اللقاء به يوم الجمعة في أحد فنادق دبي، مع مجموعة من الأصدقاء والمعارف، يتم خلالها الحديث حول العديد من الشؤون المحلية والعربية مروراً بالعالمية، وكان من أشد المتحمسين للقضايا العربية، وأهمها هموم الشعب الفلسطيني واللبناني خلال العقد الثامن من القرن الماضي.

كان أبو خالد شخصاً متزناً نفسياً وعقلياً، محبا للحياة والفرح، متواصلا مع الناس، سواءً من حاملي هموم الثقافة أو البسطاء من عامة الناس. كثير التردد على ديوان الحاكم، لتقديم المساعدة للكثير من الناس، من دون التفكير في رد الجميل له، وهذا من طباع أهل الجود والكرم.

ولعل ندوة الثقافة والعلوم لا تنسى دوره في ترسيخ هذه المؤسسة، والتي لا تزال تقدم للثقافة الكثير دون الدخول في التفاصيل.

ومن المؤكد أن السيد خلف الحبتور لديه الكثير حول بن حاضر، ربما يجود به في يوم من الأيام، من خلال مقالاته الصحفية، سواء باللغة العربية أو الإنجليزية.

كان شديد الاهتمام بمن حوله، ويحاول قدر الإمكان أن يكون سداً منيعاً لهم ضد تقلبات الحياة القاسية، وأعتقد أن شوارع دبي وباريس تحفظ في ذاكرتها ذلك الإنسان الرائع في علاقته مع المكان.

أما الشخصية الثانية، فهو الدكتور جمال سند السويدي، والذي قد يختلف البعض حول شخصيته، إلا أن ما قام به من إنجاز في إنشاء مركز الدراسات والأبحاث في أبو ظبي، وما تم إصداره في كافة المجالات من أبحاث، ومؤتمرات وندوات ما زالت تعقد وبشكل مستمر، لدليل على متانة الأساس، وأنه شكّل عناصر وكوادر بشرية تؤكد على استمرار العطاء ونشر المعرفة العلمية وغيرها، من دون انقطاع وبدعم من سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، حفظه الله.

شاءت الأقدار أن يصاب أبو خالد ـ السويدي ـ بمرض لا يرحم، إلا أن إرادة الحياة لديه كانت الأقوى والأصلب، مما دفع العاملين معه في المركز، إلى المزيد من العمل والعطاء بروح عالية؛ كيف لا وهو المتابع بشكل يومي للعمل في المركز؟

إن وضوح الرؤية، والعقلية العلمية، بعيداً عن الإشكالية والكسل، هي المفجّر الأول للإبداع والتميّز، وبالتالي فإن تكريم أولئك هو واجب من قبل محبي الوطن والإنسان، وهو يمثل مدى الاحترام لأولئك الذين يعملون رغم كل الظروف، من دون كلل أو ملل.

في هذه اللحظة، برز لي من جديد ذلك الصديق اللدود، ومن دون سابق إنذار، هز كتفي مما أدى إلى اهتزاز القلم، وقال: أعتقد أنك قد نسيت إنسانا آخر، هو أيضاً من المخلصين لهذا الوطن، والذي يعمل طوال النهار وربما في حالات كثيرة، بعضاً من الليل، ويحرص على متابعة كل صغيرة وكبيرة في ما يتعلق بأمن الناس وراحتهم، والمحافظة على الأمن والاستقرار، يساعده في ذلك من ساهم في تطويرهم ودفعهم للعمل، من غير كلل أو ملل.

نظرت إليه نظرة لا تخلو من طلب ذكر ذلك الإنسان، ضحكت بصوت عال ضحكة كادت أن تهز الأرض التي حولي، وربما أدت إلى تصدع جدران المكتبة، مما قد يؤدي إلى كارثة الجاحظ.

إن ذلك الإنسان هو ضاحي خلفان تميم، القائد العام لشرطة دبي.. أليست دبي من المدن الآمنة، والتي تعيش فيها أنواع عديدة من الثقافات والأديان والمذاهب والاتجاهات، من الشرق والغرب ومن الشمال إلى الجنوب؟ ألم تكن محاضراته حول رؤيته للعالم محل إعجاب بجرأة ذلك الإنسان، والذي تحدث بوضوح شديد حول العديد من القضايا التي تهم المواطن والمقيمين على أرض الدولة، والعرب وغيرهم، ذلك الإنسان الذي يستقبل في مكتبه أو منزله الجميع، وخاصة ديوان منزله المفتوح طوال أيام الأسبوع؟

أعتقد أن الأوان قد حان ليرتاح القلم، ويجف الحبر، وأنقذ بعض الأوراق من قسوة القلم عليها.. وأختم بالقول إن الإنسان هو الذي يظل بأعماله بعد ما يفنى الجسد؛ وسيظل أولئك جزءاً من ذاكرة الوطن.