حدث هذا في الجلسة الأولى ـ بعد جلسة الإجراءات ـ للبرلمان المصري الجديد. كان أول "مجلس شعب" ينتخب بعد ثورة يناير، يبحث في قضية شهداء ومصابي الثورة.
وكان الجو ملتهباً والهجوم شديداً على التقصير الرسمي في التعامل مع هذه القضية، سواء من ناحية تعويض أسر الشهداء ورعاية المصابين، أو من ناحية بطء المحاكمات التي تجري للمتهمين بإطلاق النار على التظاهرات السليمة أثناء الثورة.
وما ظهر أثناء هذه المحاكمات من قصور في أدلة الاتهامات، أرجعته النيابة إلى أن أجهزة الشرطة والمخابرات لم تتعاون معها، والنتيجة أن صدرت أحكام ببراءة بعض ضباط الشرطة من تهمة قتل المتظاهرين، والخشية من أن يحدث نفس الشيء في المحاكمة الرئيسية للرئيس السابق ووزير داخليته وأبرز مساعديه.
بعد المناقشات الساخنة، تقرر تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق حول هذه القضية. وبعد تلاوة الأسماء المقترحة، لاحظ البعض أنها لا تضم أي امرأة من عضوات المجلس، وطرح اسم إحدى النائبات للتصويت، وكانت المفاجأة رفض أعضاء لضم هذه النائبة التي تصادف أنها قبطية.
وثار السؤال عن سبب إصرار الأغلبية على استبعادها: هل لأنها امرأة أم لأنها قبطية؟.. وقيل بعد ذلك إن الديانة لم تكن السبب، بدليل أن المجلس لم يكن لديه مانع من ضم أحد النواب الرجال للجنة، لولا أنه تبين بعد الموافقة على اسمه، أنه يترافع ـ كمحامٍ ـ عن أحد المتهمين بقتل الثوار!
الواقعة أعادت للأذهان إحدى السلبيات الأساسية لأول برلمان بعد الثورة، حيث لم تنجح في الانتخابات إلا ثماني نساء (وعدد مماثل من الأقباط)، رغم أن ثلثي النواب جاء بنظام القوائم الذي يتم تطبيقه لكي يتم تلافي مثل هذه الأوضاع، وليضمن تمثيلاً معقولاً للكفاءات وللمرأة ولكل فئات المجتمع الدينية والعرقية.
المرأة في مصر حصلت على حقوقها السياسية الكاملة في عهد عبدالناصر، ودخلت أول برلمان بعد ثورة يوليو في منتصف الخمسينات، حيث فازت يومها نائبتان (راوية عطية وأمنية شكري) بعد منافسة شديدة مع كوادر سياسية متمرسة. وبعدها أصبحت الدكتورة حكمت أبو زيد، التي رحلت عن عالمنا أخيراً، أول وزيرة مصرية. وكان ذلك تجسيداً لنظرة ثورة يوليو للمرأة، التي مضت بعد ذلك تحتل مكانها الطبيعي في مختلف المواقع السياسية والتنفيذية.
في برلمان 2010 تقرر الأخذ بنظام "الكوتة" الخاصة للنساء، التي أتاحت أكثر من أربعين مقعداً برلمانياً للمرأة. ذهبت كلها (مثل مقاعد الرجال أيضاً) إلى الحزب الوطني. وبعد ثورة يناير التي شاركت فيها المرأة بدور بارز وقدمت شهيدات أراوحهن في ميادين التحرير، كان المنتظر أن يزداد دور المرأة وأن يتضاعف وجودها السياسي، لكن ما حدث كان شيئاً آخر!
تم إلغاء "الكوتة" النسائية ولم تخصص مقاعد للمرأة، وإن اشترط أن تكون هناك نساء في القوائم الحزبية، فإن مكانهن كان دائماً في ذيل القائمة. ومع غياب السياسة عن المعركة البرلمانية وسيطرة الاتجاهات الدينية عليها، واعتبار البعض أنها معركة بين الإيمان والكفر، وجدنا بعض قوائم الجماعات والأحزاب السلفية، تضع اسم المرشحة من النساء دون صورتها، باعتبار أن صورة المرأة حرام!
وبعض هذه الأحزاب كان يقول بصراحة شديدة إنها ترشح المرأة ضمن قوائمها نزولاً على حكم القانون، رغم إيمانها بأنه "مفسدة" وخروج على الشرع! وبعضها كان يؤكد أن مرشحته لو نجحت فلن تخالط الرجال في المجلس (!) ولن ترفع صوتها داخل البرلمان، لأن صوت المرأة (حتى ولو في البرلمان) هو عورة!
في مثل هذا المناخ، كان طبيعياً ألا تفوز المرأة إلا بهذا العدد القليل من مقاعد البرلمان، رغم أن نسبة تصويت المرأة في الانتخابات كانت أعلى من نسبة الرجال في معظم المناطق.. وربما كان هذا هو الجانب الأخطر في هذه الظاهرة، لأنه يعكس واقعاً ترضى فيه المرأة بهذا الواقع الظالم.
وتعطي صوتها الانتخابي للرجل، دون أن تسأل عن مكانة المرأة في قوائم هذا الحزب أو ذاك، ودون أن تحرص على التمثيل الطبيعي لها داخل البرلمان! هذا هو الأخطر، لأنه يعكس ثقافة ترضى فيها المرأة بقهر الرجل لها، وتوافق على رؤية تتعامل معها باعتبارها كائناً أدنى لا يصلح للسياسة أو الحكم، فإذا دخلت البرلمان فلأن ذلك مفسدة أقل تدرأ مفسدة أكبر، وهو ترك مكانها لامرأة ليبرالية أو يسارية والعياذ بالله!
كيف يحدث ذلك بعد ثورة أذهلت العالم وشاركت فيها المرأة مع الرجل على قدم المساواة؟! وكيف يحدث هذا بعد أكثر من نصف قرن من حصول المرأة في مصر على حقوقها السياسية الكاملة؟ وكيف يحدث هذا في مجتمع تقول الدراسات إن ربع العائلات فيه تعولها امرأة عاملة؟ وكيف يحدث هذا بعد قرنين من جهود التحديث وثقافة التنوير وكفاح المرأة العربية في مصر في كل المجالات؟!
إنها ثقافة التخلف التي وجدت لها مكاناً فسيحاً، وسط مناخ التراجع الذي ساد المجتمع في ربع القرن الأخير. جاءت ثورة يناير وأسقطت الأقنعة التي كانت تخفي قبح هذا الواقع. تطفو هذه الثقافة المتخلفة الآن على السطح.. تقمع المرأة، وتعامل الأقباط كمواطنين من الدرجة الثانية، وتهدد بقمع الحريات وفرض مكارثية جديدة، تفزع الكتاب والفنانين والمبدعين فيتظاهرون أمام مجلس الشعب في يوم افتتاحه، مدعومين بوثيقة الأزهر الشريف التي تحذر من هذه الردة وتؤكد أن حرية الرأي هي أم الحريات.
خرجت المرأة المصرية من سجنها قبل قرن من الزمان مع ثورة 19، وأصبحت شريكاً كاملاً في صنع النهضة مع ثورة يوليو، ومهما كانت التحديات والمصاعب أمامها الآن.. فلا يمكن أن تكون ثورة يناير هي طريق عودتها لسجنها مرة أخرى! ومع ذلك فلا بد من الاعتراف بأن هناك محنة.
وأن هناك معركة صعبة حتى نسترد مواقع كانت في يد قوى التقدم والنهضة. ولا بد أن نتذكر أنه عندما صعق العالم كله بمشهد الفتاة التي تم سحلها من قوات الأمن أمام مجلس الوزراء، كان تعليق بعض التيارات السلفية هو: "تستاهل.. لماذا خرجت من منزلها"؟! وكانوا يعرفون جيداً أنها لو لم تخرج هي وجيلها الشاب للثورة، لما خرجوا هم إلى الحياة العامة.
الآن.. حزب "تستاهل" يحتل مقاعده في أول برلمان بعد الثورة، والفتاة التي تم سحلها ما زالت في ميدان التحرير تبحث عن الخلاص.. عن القصاص!