تختلف المسميات وتتوحّد الظاهرة في مقدماتها وأهدافها ومقاصدها، وحتّى في تعقيداتها، فالربيع العربي تسمية أطلقتها الآلة الإعلامية العالمية الضخمة الصادرة عن الغرب السياسي، في توصيف استمد روحيته الأساسية مما سمي يوماً بربيع براغ (نسبة إلى العاصمة التشيكوسلوفاكية في ذلك الحين)، وكانت التسمية يومها مُجيّرة على صراع مكشوف بين الشرق والغرب، وكان المغزى السياسي للتسمية مقابلاً للحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي ومن يتحالف معه من جهة، والولايات المتحدة ومن يتحالف معها من جهة أُخرى. الصورة الآن مختلفة من حيث ان الانتفاضة الشعبية العربية الماثلة، ليست ضد نظام واحد وموحد، بل ضد سلسلة من الأنظمة العربية غير الموحدة في إرادتها، والمتشابهة ضمناً في آليات عملها وتعاملها مع قضايا المجتمع واستحقاقاته.

ولهذا نستطيع تفسير تلك المُخاتلة التي ترافقت مع نغمة تلك الأنظمة، يوم أن ادّعى كل نظام أنه ليس الآخر، وأن مصر ليست تونس، واليمن ليست مصر، وليبيا ليست تونس، وسوريا ليست اليمن، وهكذا.

من عجائب الدهر أن هذا الخطاب النافي لأي تشابه بين الأنظمة العربية التي تعرضت لنيران الجماهير الحامية، كان يتكشّف في الواقع وعلى الأرض عن تشابه أكروباتي، حتى ان ما جرى من تدابير أمنية عقيمة هنا وهناك كان متشابها إلى حد التناسخ.

ولعل المثل الأكثر "كوميتراجيديةً" في هذا الجانب، جرى في ساحات الاعتصام والمطالبة بالتغيير في مصر واليمن، فقد أدارت أجهزة المعالجات الأمنية السقيمة مشهداً سينمائياً واحداً، من خلال هجمتين متشابهتين ومتناسقتين.. باستخدام الخيول والجمال والبلاطجة، كما تشابهت أجهزة الإعلام الرسمية الناظمة لأداء حكومات ما قبل التغيير، في نكرانها المُبين لواقع مكشوف. وبهذا المعنى انكشفت الوحدة العضوية بين الأنظمة العربية الحائرة، وسقطت مقولات ان تونس ليست مصر، وليبيا ليست تونس.. الخ.

قلنا إن الربيع العربي اسم استمد نغمته السائدة من الأدبيات السياسية لفترة الحرب الباردة، لكن المضمون اختلف، وطرق التعبير تباينت بصورة حادة، فإذا كان ربيع براغ التاريخي المُكْتَسح بقوة الدبابات السوفيتية شكّل مقدمة لما بعد ذلك، فإن سقوط المنظومة الاشتراكية برمتها كان سقوطاً حراً متداعياً وخالياً من الدماء، إلا في بعض الاستثناءات التي لا تكاد تُذكر، كالحالة الرومانية على عهد الرئيس المقتول نيكولاي تشاوشسكو.

والطريف أن الصدام المسلح بين الجيش الروماني والحرس الرئاسي، تمّ في غياب الرئيس تشاوشسكو. لكن ما جرى في العالم العربي مختلف تماماً، فمصر شهدت اعتداءات قاتلة على المعتصمين في الساحات، واليمن تجاوزت الأمر قليلاً من خلال إشعال مصفوفة مختارة من الحرائق في أبين وأرحب وتعز، أما ليبيا فحدث ولا حرج، وما يجري الآن في سوريا لا يحتاج إلى مزيد تعليق.

وكانت تونس الحالة الاستثنائية الوحيدة، لأن رئيسها السابق التقط الإشارة وعرف مغزى العبارة، فوفّر على نفسه وشعبه محنة التقاتل العدمي. ومن المؤكد أن الجيش المهني التونسي وقياداته الراشدة، كان لهم فضل مؤكد في تلك النهاية الناعمة السريعة.

هل نسمي ما جرى ويجري ربيعاً عربياً، أم ثورة عربية، أم انتفاضة؟.. ليس مُهماً التسميّة، بل الفعل وأبعاده ونتائجه الماثلة والقادمة. والحاصل أن العالم العربي يشهد انعطافة مؤكدة، ويخوض سبيلاً لا مردَّ له، ويسلك درباً يعيد إنتاج كامل الاحتقانات التي أسهمت الأنظمة في ترسيخها، وقدّمت لها الأسباب، وبدلاً من أن تجعل الزمان ونواميسه والمكان وعبقريته، شاهدين على التطور والنماء، عاكست الريح وتكبّرت على الحقيقة، وفتحت المجال لمظالم يشيب لهولها المولود. وليتها اكتفت بذلك، بل حوّلت أسباب النماء الى دمار، والفرح إلى أحزان، فحق عليها ما قاله المتنبي ذات يوم بعيد من سخريات الدهر: كلما أنبت الزمان قناةً ** ركّب المرء للقناة سنانا

بل ازدادت محنة الناس، حتى أصبح الموت والحياة لديهم سيّان، فخرجوا في مصر وليبيا والشام واليمن، ليواجهوا الرصاص بصدور عارية، وكأنهم يستعيدون ما قاله المتنبي أيضاً:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ** وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا

نعم.. نعلم اليوم ما جرى ويجري على الأرض، لكننا لا نستطيع التنبؤ بالغد القادم، غير أن منطق التاريخ يقول إن العجلة التي تدور لا ترجع إلى الوراء، وأن دورة الزمن الدائرية تأخذ مجراها بكيفيات ملهاوية ومأساوية، ولكنها تجري لمصائرها المحتومة، كما تجري الشمس لمستقر لها بتقدير العزيز العليم.

قال الحكيم العربي زهير بن أبي سُلمى:

وأعلم علم اليوم والأمس قبله ** ولكنني عن علم ما في غدٍ عمِ

ونقول استطراداً، إن العماء أصل المعرفة، والمجهول باب للولوج إلى المعلوم، وما لم يكن هنالك غيب فلا معنى ولا معرفة ولا رؤية.