فرض الرئيس الأميركي باراك أوباما، مؤخراً، تخفيضات كبرى على الإنفاق الدفاعي، لكي تصل إلى نحو 500 مليار دولار. ورغم أن هناك كثيرا من الزخم في ميزانية البنتاغون التي زادت بعد أحداث 11 سبتمبر، فإن هذا القدر من التقليص يفوق المطلوب بكثير.
وسواء كانت التخفيضات منطقية أم لا، فإنها لن تساهم إلا في تعزيز الصورة النمطية المألوفة لرغبة أوباما في إعادة فرض نفسه على الساحة العالمية. وهي تأتي بعد جملة من الاعتذارات الرمزية، عن الخطايا الأميركية الماضية المزعومة والانحناءات أمام أفراد العائلات المالكة الأجنبية. وعلى الصعيد الخارجي، قد يضاهي هذا النوع من المفاهيم الواقع في أهميته، حيث يبدأ منافسونا في تعليق آمالهم على أن يكون شك أوباما في دور أميركا العالمي الاستثنائي التاريخي، موازياً لشكهم هم.
وفي المقابل، فإن المؤسسة العسكرية القوية تحافظ على السلام من خلال ردع المعتدين، عبر الظهور بمظهر القوة الساحقة. وكثيرا ما ننسى أن مظهر القوة وقت السلم، لا يقل أهمية عن واقعها وقت الحرب. وعندما تنتهي الحروب، نعمد إلى التقليص (فكروا في عام 1919 أو 1946) لنلوم أنفسنا عندما تنشأ التوترات من العدم مرة أخرى، ويتعين علينا حينها أن نسرع لنلحق بالركب، ونعيد تسليح أنفسنا لخوض حرب عالمية ثانية، أو حرب باردة لم تكن على البال.
وتنفق القوات المسلحة الأميركية نحو 80% من ميزانياتها، ليس على الرصاص والقنابل، وإنما على التدريب وتعويض الجنود. وهي غالباً ما تنجح في تشكيل عقول وشخصيات الشباب الأميركي، على نحو أفضل مما تفعله الجامعات.
وبطريقة ما، يستطيع الجيش أن يعلم أميركياً في عامه الثامن عشر، كيفية ركن مقاتلة بقيمة 100 مليون دولار عبر سطح حاملة طائرات، في حين تعجز الجامعات الأميركية عن ضمان أن نظيره المدني سيحضر دروسه بانتظام. ويترك الشبان والشابات الخدمة العسكرية بلا ديون تثقل كاهلهم، بعد اكتسابهم مجموعة من المهارات، بينما العديد من طلاب الجامعات الأميركية يراكمون الديون، ويغضبون على نحو متزايد إزاء حقيقة أنهم يصلون إلى منتصف عقدهم الثالث دون اكتساب أي مهارات تنافسية أو تعليم حقيقي.
وليس السبب الوحيد في أن العجز الأميركي يزيد على تريليون دولار، هو أننا نملك طائرات مقاتلة بقيمة عدة ملايين من الدولارات، أو عشرات الألوف من مشاة البحرية، إذ لا تشكل نفقات الدفاع حاليا سوى ما يقرب من 20% من نفقات الميزانية الاتحادية، وأقل من 5% من الناتج القومي الإجمالي. وهذه النسب هي متوسط التكاليف التي تكبدتها أميركا في السنوات الأخيرة، رغم عملية الانتشار الجارية في أفغانستان.
وفي المقابل، فقد اقترضنا على امتداد السنوات الثلاث الماضية، مبلغاً قياسياً يقرب من 5 تريليونات دولار من أجل مجموعة ضخمة من الاستحقاقات غير الممولة، بدءاً من برنامجي "الضمان الاجتماعي" و"ميدي كير" الآخذين في التصاعد، ووصولاً إلى التوسع في برنامج كوبونات الغذاء ليشمل سُبع سكان أميركا. ومع ذلك، فإن العديد من الأميركيين يفضلون على الأرجح رؤية فرقاطة جديدة يديرها شباب مدربون تدريبا عاليا لتثبيط أعدائنا، على أن يحصلوا على استثمار آخر شبيه باستثمار شركة "سوليندرا"، أو على حافز يقرب من تريليون دولار ويهدف إلى إيجاد وظائف جاهزة.
ومع الأسف، فإن التخفيضات الدفاعية لا تحدث في فراغ، فهي تغذي متلازمة أفضل ما تجسد في أوروبا الاشتراكية المعسرة والمنعزلة إلى حد كبير. فكلما قلصت المجتمعات الأكثر ازدهارا دفاعاتها في سبيل توسيع برامجها الاجتماعية، أدت التبعية الناتجة إلى دفاع أقل وفوائد أكبر من أي وقت مضى.
وبمجرد أن تتعهد الدولة برعاية المواطن، فإنه سيعتقد أن المزيد من الدعم لم يعد كافياً أبداً. وبمجرد أن يعتقد الناخبون أن الإنفاق الدفاعي يشكل عائقا أمام الاستحقاقات الأكبر، فإنهم سينفقون على عدد أقل من العوائق. وتكون النتيجة النهائية شبيهة بالاتحاد الأوروبي المتنازع والواقف على شفا الانهيار، الذي اقترض تريليونات الدولارات من أجل الاستحقاقات غير الممولة، ويعجز الآن عن الدفاع عن نفسه.
ويستهدف العديد من التخفيضات الجديدة القوات البرية التقليدية، نظرا لأننا نعيش في عصر التكنولوجيا، الذي يشمل الصواريخ والطائرات المتطورة ومهمات مكافحة التمرد. غير أن طبيعة الحرب ليست ثابتة ولا متوقعة.
ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، أراد الرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان التخلص من مشاة البحرية، وشعر بالارتياح بعد ذلك لأنه لم يفعل، عندما ساهم مشاة البحرية في إنقاذ سمعة الجيش الاميركي إلى حد كبير، خلال الكارثة غير المتوقعة التي شهدتها كوريا في ديسمبر عام 1950. وبعد حرب الخليج من عام 1990 إلى 1991، قمنا بتقليص قواتنا البرية، لنقوم بعد ذلك بتعزيزها من أجل أن يتفرغ مشاة البحرية لمواجهة الأعداء في أماكن مروعة، مثل محافظة الأنبار في العراق.
إن انحدار الحضارات السابقة، ومنها حضارة أثينا في القرن الرابع قبل الميلاد، وحضارة روما في القرن الخامس الميلادي، وحضارة بيزنطة في القرن الخامس عشر، وحضارة أوروبا الغربية في ثلاثينات القرن الماضي، لم ينجم عن إنفاقها الكثير من المال على الدفاع أو عدم إنفاقها ما يكفي على الاستحقاقات العامة. وبدلاً من ذلك، فإن حكوماتها الآخذة في الاتساع، عمدت إلى توزيع المزيد من الأموال المقترضة، في حين أن مواطنيها أرادوا عدداً أقل من الجنود من أجل ضمان المزيد من المساعدات.
والدرس الكئيب الذي يعلمنا إياه التاريخ، هو أن المجتمعات التي يعتمد مواطنوها على أنفسهم، والتي تدافع عن نفسها وعن مصالحها، هي التي تزدهر. أما المجتمعات التي تتجه نحو التبعية، فهي التي تقلص دفاعاتها، وتتلاشى.