في أخريات القرن الماضي، صدرت عن دار فرنكلين الأميركية للنشر، طبعة منقحة لكتاب البروفسير"الفن توفلر" (صدمة المستقبل)، ولم تمض سنوات قليلة حتى صدر له كتاب "الموجة الثالثة".

وهما من الكتب القليلة التي يسعد من يجد متسعاً من الوقت لقراءة أي منها مرة أخرى. إن رؤى وقناعات وأفكاراً جديدة تدور في خواطرنا في أي قراءة ثانية، بل إن فهمنا لكثير مما سبقت لنا قراءته يتغير.

وهذا ينطبق على كتب وإصدارات أخرى قد نعيد قراءتها، لا لشيء إلا لأنها مست شيئاً ما فينا. ميزة القراءة الثانية لأعداد قليلة مما سبقت لنا قراءته، أنها تذكرنا بما نسينا وتدخلنا في تجربة جديدة، فإذا بها تضيف إلينا ما فات علينا من تجليات فكرية تتصل بوعينا وما تبدل من وجهات نظرنا لكثير من المسلمات والوقائع والأحداث التي عشناها خلال السنوات البينية. القراءة الثانية تجعلنا أكثر معرفة للتطور الفكري والثقافي الذي حدث لنا.

كانت فرصة لي، أن أعيد مرة أخرى قراءة "صدمة المستقبل"، بعد سنوات من صدور الكتاب الذي ترجم إلى معظم اللغات الحية وتناولته كبريات الصحف العالمية.

وراعني كأن الزمن توقف، وأن ظواهر ومشكلات عقد السبعينات تناولها "توفلر"، بدا لي وكأنه يكتب عن ظواهر وقضايا عقد الألفية الذي ما زلنا نعيش فيه، بما يفيد أن التغير الاجتماعي حالة أو ظاهرة تلحق بأي شيء، ولكن ببطء، لدرجة يصعب معها رصده أو متابعة مساره أو معرفة اتجاهه، فكأن ما حدث بالأمس يحدث اليوم.

لقد اهتم عدد مقدر من علماء الاجتماع المعاصرين، بدراسة التغيير أو التغير الاجتماعي، ومن بينهم "الفن توفلر"، فهو يرى أن المجتمعات الغربية تجتاحها موجات التغيير بتردد متفاقم وسرعة متزايدة، منذ بداية الثورة الصناعية التي جلبت معها غرائب الأشياء، ابتداء من أطفال في العاشرة لا يبدون كأطفال، ورجال في الخمسين يبدون كأطفال في الثانية عشرة.

وأن الكثير الذي يبدو أمامنا مستعصياً على الإدراك، سيبدو أقل غموضاً إذا ما نظرنا إلى معدل التغيير المتسارع الذي جعل تيار التغيير يبدو أحياناً كالخيال، وهو لا يقرع أبواب مجتمعاتنا، بل يندس ويتغلغل داخل بيوتنا وحياتنا الشخصية، ويرغمنا أن نلعب أدواراً جديدة، وينذر بخطر مرض نفسي جديد هو "صدمة المستقبل"، وهي غير "صدمة الثقافة"، لأن الأخيرة تحدث لمن يجد نفسه في مكان حيث كلمة "لا" تعني "نعم"! وهي حالة استثنائية دون شك.

إن صدمة الثقافة لا بد أنها واجهت كثيرين قفزت بهم الحظوظ من مربع الفاقة والعوز والتخلف، إلى مراتع واقع جديد شديد التحضر، فيصاب بالحيرة والجمود والعجز التام عن التكيف. إن "صدمة التخلف" حالة لازمت الانتقال الفجائي لأفراد وجماعات، من الحياة في عصور بدائية إلى الحياة العصرية بكل تجلياتها.

ويمضي "توفلر" قائلاً: أما صدمة المستقبل فهي ظاهرة كونية زمنية من نتاج المعدل مطرد السرعة للتغيير في المجتمع، وهي لا محالة تنشأ من عملية التركيب لثقافة تقليدية قديمة فوق ثقافة جديدة ومعاصرة، إنها أزمة ثقافة فرد في داخل مجتمعه.

لكن آثارها تكون أفدح عندما تدركه في مجتمع جديد، وفي ثقافة مغايرة ذات مفاهيم وقناعات مختلفة عن الزمان والمكان والجنس والدين والحب والعمل، ويزداد الأمر تعقيداً إذا كانت البيئة الجديدة في حالة تغير مستمر. ولك أن تتخيل حدوث هذه الحالة، ليس لفرد ولكن لمجتمع بأسره، لعل أروع ما قيل في هذا المجال أن ما حدث منذ ولادة إنسان ما حتى الآن، يماثل كل ما حدث قبل أن يولد!

والثابت أن حركة التغيير المتسارع هي القوة الكامنة خلف الإثبات، وبسبب هذا التغيير تبدل إيقاع حياتنا اليومية، لدرجة أننا لم نعد نحس الحياة كما كنا ندركها سابقاً، والمشكلة تكمن في أن التغيير صار خارج نطاق التحكم لسبب بسيط؛ لأنه نسبي ولأنه بدون الزمن يصبح التغيير بلا معنى، وبدون تغيير يفقد الزمن بالضرورة معناه. فعندما تتغير الأشياء من حولك، فإن تغييراً موازياً يحدث في داخلك، كما يقول "كريستوفر رايت".

إن المتتبع لمسار الأحداث، خصوصاً في أعقاب تداعيات ثورات الربيع العربي التي أطاحت بثلاثة أنظمة في زمن قياسي، وأحدثت ربكة وهلعاً لأنظمة قائمة، ما هي إلا تغيرات تمتحن بها أنظمة أخرى مدى قدرتها على الصمود لمواجهة تسارع التغيير الفكري أو السياسي أو العقائدي والمذهبي، دعك مما جرى ويجري في مئات النقاط الملتهبة والمشتعلة، سواء في آسيا أو إفريقيا أو أميركا الجنوبية. لهذا وأهم منه لا يظن أن دوام الحال من المحال، ذلك أن الاستغراق في الطمأنينة زيف ووهم وخرافة.

رب قائل: إن التطور والتغير من سنن الحياة التي يسيّر بها الله الكون بأسره، ولكن الشواهد أمام أعيننا تنبئنا أن الثورة العلمية التي جلبت معها قفزة إلى تكنولوجيا المواصلات والاتصالات الرقمية، حولت عالمنا بتراكم الاختراعات إلى قرية كونية، وعند "توفلر" أن التغيير امتد إلى كل شيء. لقد مس الحياة المادية .

كما لمس حياتنا الثقافية وشبكة علاقاتنا الاجتماعية والأسرية، ثم لحق بأفكارنا وهز معتقدات وقناعات معظم أفراد المجتمع، أي مجتمع، لدرجة أن سرعة التغيير بلغت حداً نستطيع أن نقول معه إن الإنسان في عالمنا الذي نعيش فيه الآن، يصبح كل يوم ليجد نفسه أمام عالم غير الذي نام عنه بالأمس! وحتى لا يصاب بالاكتئاب، عليه أن يجاهد ليتكيف ويعيد ترتيب حياته مع نمط لتيار حياة لا يتوقف عن الجريان.

ينتهي بنا "الفن توفلر" في بحثه العبثي عن صيرورة المستقبل، إلى تأكيد حاجتنا إلى صدمة علاجية لنستفيق من مغبات صدمة المستقبل، ولا سبيل إلى "الصحوة" كما يرى، إلا بفتح نوافذ عقولنا وقلوبنا في اتجاه الهواء القادم من صوب الماضي، وبسرعة في المعدل تجتاز الحاضر والمستقبل.

ويفاجئنا هكذا، وبدون إذن أو ترخيص، بما يمكن أو لا يمكن توقع حدوثه، وها هو الإنترنت والفيس بوك صارت أدوات تغيير يرتعد منها طغاة الحكام في الثورات الجارية في عالمنا، ولا سبيل للقبض عليها أو احتجازها أو إبطال مفعولها..

إذاً، تيار التغيير قادم لا محالة، كاسراً بذلك خط الفصل التقليدي بين الأمس واليوم والغد، بل وبين الحاضر والمستقبل، والغافل من يظن أن الأشياء دائماً هي ذات الأشياء.