يتلخص العقد الأول من الألفية الأميركية الجديدة، في يومين مروعين من شهر سبتمبر. أولهما، بطبيعة الحال، يوم 11 سبتمبر من عام 2001. ففي صبيحة ذلك اليوم، شن انتحاريو القاعدة هجوماً على البنتاغون، ودمروا مركز التجارة العالمي، وقتلوا 3000 أميركي، وخلفوا 16 فداناً من الرماد في مانهاتن، وخسائر اقتصادية بقيمة تريليون دولار. وتلا ذلك غزو لأفغانستان وآخر للعراق، إلى جانب "حرب على الإرهاب" أكثر غموضاً شنت ضد التطرف.

وسرعان ما تمزقت أميركا من جراء الخلاف بين كلتا القضيتين والرد المناسب على تلك الهجمات. فغالباً ما وصف اليسار تدخلات أميركا الخارجية وسياساتها في الشرق الأوسط، بالاستفزازات. وسرعان ما عارض بشدة الحرب الثانية في العراق، وانتقد بشدة أكبر بروتوكولات مكافحة الإرهاب التي تلت أحداث 11 سبتمبر.

ورد اليمين بأن الكراهية غير المبررة للولايات المتحدة، هي وحدها التي حفزت المذبحة. وبالتالي فإن الطريقة المثلى لمنع المزيد من الإرهاب، هي المبادرة بالهجوم في الخارج ضد الأنظمة التي ترعى الإرهاب، بما في ذلك حركة طالبان والرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. وعلى نحو مماثل، فقد كانت هناك حاجة إلى بروتوكولات وقوانين أمن جديدة في الداخل، لمنع هجوم إرهابي كبير آخر.

ولكن بعد مرور عشرة أعوام، حدث ما لم يكن متوقعاً، إذ فشل ما يزيد على 30 محاولة كبرى للتفوق على هجمات 11 سبتمبر. وفي جميع أنحاء العالم، يمر التطرف بحالة من الفوضى. وتخلص الجيش الأميركي من أسامة بن لادن، ولا يزال خلفه أيمن الظواهري مختبئاً. ولقي اثنان من أبرز مجرمي العالم العربي، وهما صدام حسين ومعمر القذافي، حتفهما. والأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط إما أنها انهارت أو هي آخذة في الترنح الآن.

وعلى الرغم من جميع خلافاتنا الداخلية، عمدت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى المضي قدماً، في جميع سياسات الرئيس الأميركي السابق جورج بوش لمكافحة الإرهاب. فلا يزال معتقل غوانتانامو مفتوحاً، ولا يزال قانون "الدفاع الوطني" ساري المفعول. وارتفع عدد الاغتيالات المنفذة بواسطة طائرات "بريداتور" من دون طيار، بواقع عشرة أضعاف. وأصبح موضوع المحاكم العسكرية وعمليات الترحيل والاحتجاز الوقائي، أمراً مطروقاً لا يستقطب اهتمام أحد.

بالنسبة لنائب الرئيس الأميركي جو بايدن، فإن حرب العراق من شأنها أن تثبت "الإنجاز العظيم" الذي حققته إدارته. أما بالنسبة للرئيس الأميركي باراك أوباما، وهو معارض سابق آخر للحرب، فإن الجهود التي بذلت من أجل الإطاحة بصدام حسين وتعزيز الحكم الدستوري في مكانه، كانت "إنجازاً استثنائياً"، وإنجازاً ساهمت أميركا من خلاله في ولادة "عراق ذي سيادة ومستقر ومستقل، يحظى بحكومة تمثيلية ومنتخبة من قبل الشعب".. ولم يكن جورج بوش ليعبر عن ذلك بطريقة أفضل.

وفي يوم مختلف تماماً بعد مرور سبع سنوات، أي يوم 14 سبتمبر من عام 2008، أعلنت شركة الاستثمارات الضخمة "ليمان براذرز" إفلاسها، مع انهيار قطاع الرهون العقارية الثانوية كمنزل من الورق. وواصل سوق الأسهم هبوطه الذي بدأ قبل عام، حيث خسر ما يقرب من نصف قيمته في الفترة من سبتمبر 2007 إلى ديسمبر 2008. وفي نهاية المطاف، تم اجتثاث نحو 8 تريليونات دولار من حصة الأميركيين من السكن ومعاشات التقاعد.

وألقى اليسار باللائمة على الجشع الفطري لـ"وول ستريت"، الذي عمد قراصنته العصريون إلى تعريض النظام المصرفي للخطر بصورة متهورة، بحثاً عن أرباح فاحشة بمليارات الدولارات، فيما ألقى اليمين باللائمة الأكبر على الحكومة الفيدرالية، التي أسفر سعيها غير المتوازن إلى ضمان حصول الجميع على فرصة لشراء منزل، عن ضمانات لقروض رهن عقاري وهمية يستحيل سدادها، ولم يكن ينبغي أن تقدم أبداً.

ومع ذلك، وبعد مرور ثلاث سنوات، هناك إجماع عام حول ما نجم عن 14 سبتمبر، إذ نجا النظام المالي الأميركي. وفي المقابل، ربما لن ينجو النظام المالي الأوروبي ليعود كما عرفناه سابقاً. ويتحدث كل من الديمقراطيين والجمهوريين الآن بشأن توفير المال وسداد الديون، وليس بشأن اقتراض المزيد من التريليونات.

وقد عبرت احتجاجات كل من "حزب الشاي" و"احتلوا وول ستريت"، عن غضب مماثل إزاء تكنوقراطية واشنطن المنفصلة. وكان أعضاء "حزب الشاي" يشعرون بغضب أكبر تجاه أغبياء الحكومة الكبيرة، الذين شوهوا الأسواق الحرة وتلاعبوا بها، في حين كان محتلو وول ستريت يشعرون بغضب أكبر حيال مستثمري وول ستريت الذين قاموا بالمثل.

وبعد عقد من المأساة في العراق، والمأزق الذي حصل في أفغانستان ، والـتسعة تريليونات دولار التي أضيفت إلى الديون الاتحادية، والتراجع المستمر، وتدمير حصة الأميركيين من السكن والمعاشات التقاعدية، لا تزال الولايات المتحدة متماسكة. ولم تنته حرب العراق بهزيمة مروعة، ولم يشن ابن لادن أية هجمات 11 سبتمبر أخرى، ولم نفقد حرياتنا الدستورية، ولم يحدث كساد عظيم بعد حالة الذعر المالي. ويجد منافسونا أنفسهم الآن واقعين في متاعب أكبر من تلك التي وقعنا فيها.

لن يأتي اليوم الذي يتفق فيه الأميركيون على أسباب 11 سبتمبر و14 سبتمبر، وردود الأفعال التي تلتهما. غير أنهم في يوم من الأيام، وبعد انحسار موجة الاتهامات المتبادلة الحالية، سيقدرون على الأقل السبب، بالمعنى الوجودي، وراء نجاة بلدهم من هذين اليومين المروعين من سبتمبر.

وما من شعب آخر برهن على أنه يتحلى بالمرونة وروح النقد الذاتي اللتين يتحلى بهما الشعب الأميركي، ولم يثبت أي دستور آخر أنه يتسم بالاستقرار والبراعة السياسية اللذين يميزان الدستور الأميركي.