على نحو ما لم يكن يتوقع البعض أن يتأخر إعلان ميزانية دبي لعام 2012، حتى يتم إجراء عملية تجميل لبنود الإيرادات لتتوافق مع النفقات ثم يتم إعلان الميزانية في نهاية يناير أو مطلع فبراير، هكذا روجت بعض أجهزة الإعلام الأجنبية وأعنى بها التي درجت على تشويه صورة دبي، ولقد خاب ظنهم إذ تم الإعلان عن الميزانية في الوقت المناسب، أي قبل طلائع العام الجديد، ولم يظهر على ملامح الميزانية التي عكفت على قراءتها ليلة بأكملها أي آثار لعملية تجميل لتحسين الصورة.
والقارئ المدقق يمكن أن يخرج بملاحظات أساسية لعل من أهمها ما يلي:
1- ان الميزانية بنيت على منهجية محاسبية علمية سليمة.
2- انها غطت كافة القطاعات الأربعة الرئيسية وهي قطاع البنية التحتية والمواصلات والتنمية الاقتصادية... وقطاع الخدمات والتنمية الاجتماعية وقطاع الأمن والعدل والسلامة ثم قطاع الخدمات العامة والتميز الحكومي.
ومن جهة أخرى وكما جرت العادة قسمت الإيرادات إلى أربعة قطاعات وهي: إيرادات الضرائب والجمارك، الإيرادات غير الضريبية، إيرادات استثمارات حكومة دبي، مداخيل النفط.
أما قطاع النفقات أو المصروفات نجده اشتمل على خمسة قطاعات كما يلي: الرواتب والأجور، المصنفات الإدارية والعامة، مشروعات البنى التحتية، المصروفات الرأسمالية.
استندت موازنة دبي للعام الجديد على مرتكزات محورية لضمان تطبيق مرشد لسياسة مالية حكيمة وشفافة تضمن تدفق عملية النمو الاقتصادي والاستدامة المالية، ومن اجل ذلك برزت مطالبات بضرورة تنويع مصادر الدخل وحفز جميع الدوائر لتبنى معايير الجودة.
تم توزيع الإيرادات لعام 2012 على أساس معدلات الحصص، حيث استأثر قطاع البنية التحتية بنصيب الأسد، فحاز على 41 % من إجمالي الإنفاق العام.
أما قطاع التنمية الاجتماعية فكان نصيبه 29 % من إجمالي الإنفاق العام، مع أنه يضم خدمات التعليم والصحة والإسكان والثقافة، أما قطاع الخدمات العامة فقد خصصت له 7 %، أما قطاع الأمن والسلامة والعدل فقد حصل على22% من إجمالي الإنفاق العام.
لعل ماميز ميزانية هذا العام تراجع معدل العجز في الميزانية إلى 1.8 مليار درهم، أي بنسبة انخفاض بلغت53%، وهكذا تستطيع دبي بثبات المضي قدماً لتنفيذ استراتيجيتها مع الحفاظ على معدلات نمو تمكن كل القطاعات المشار إليها تنفيذ مشروعاتها وبرامجها المضمنة في الاستراتيجية.
هنالك من يرى أن المقاربة بين الإيرادات وهي 30.4مليار درهم مع النفقات وهى 32.2 مليار درهم قد يحدث فجوة تعيق تنفيذ، أو على الأقل، تؤجل من تنفيذ بعض المشروعات الإنمائية، ولكن في واقع الأمر أن العرف الدولي كما هو معلوم يسمح بأن تجاز الميزانيات بشرط ألا يتجاوز العجز 3% .
وفى إطار السياسة المعلنة فإن الأمل معقود أن تتضافر جهود كافة الدوائر التابعة لحكومة دبي لتحقيق فائض قد يصل إلى مليار درهم، وفي تقديري أن هذا أحد التحديات المستقبلية التي نأمل أن تتحقق حتى تمضي الميزانية إلى غاياتها بسهولة ويسر خصوصاً ما يتصل بقطاع الخدمات الاجتماعية لارتباطه بالأوضاع المعيشية لسكان الإمارة وهي من القضايا المهمة التي تستحق أن نفرد لها مساحة أكبر.
لقد خلصت الميزانية الجديدة إلى تسع نتائج يمكن تلخيصها فيما يلي:
ان الإنفاق الحكومي يمضي في اتجاه يضمن الاستقرار المالي للإمارة.
ضرورة أن تبذل مزيداً من الجهود لرفع الإنتاجية وزيادة عائدات القطاعات الاقتصادية.
هنالك أهمية لتنويع مصادر الدخل وزيادة الإيرادات من دون أن يقع حملها على المواطن.
ان انخفاض العجز في الميزانية يؤكد أن دبي تجاوزت بكثير مرحلة النقاهة ولا أقول الانعاش.
لا سبيل أمام كافة الدوائر والمؤسسات الحكومية إلا أن تتنافس لبلوغ غايات التميز المؤسسي عبر التنافسية المشروعة.
لقد استأثر قطاع البنى التحتية بـ41% من الميزانية وهو أعلى معدل بالنسبة للقطاعات الأخرى لسبب بسيط وهو أن دعم الاقتصاد الكلي لإمارة دبي، بل أن استدامة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يبقى ولسنوات خمس قادمة رهيناً بتكملة مشروعات البنية التحتية، وهذه فرضية لا تغيب على كل من يتابع بدقة التحولات الكبرى التي تحدث في دبي وبسببها اكتسبت دبي شهرتها وصارت قبلة للقاصي والداني.
بقي أن أضيف أنه لابد أن عدة فرق عمل جلست لأيام وساعات طويلة لإنجاز هذه الميزانية في وقتها المحدد حتى خرجت ميزانية متماسكة وشفافة، ولابد من الإشادة بجهود اللجنة العليا للسياسات المالية التي يرأسها سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، عام جديد وكل عام والجميع بخير.