حتى الولايات المتحدة الأميركية أصبحت تتهم «الفلول» من بقايا النظام السابق في مصر بالعمل ضد مصالحها، المناسبة كانت الهجمة التي شنتها السلطات المصرية على بعض منظمات حقوق الإنسان المحلية والأجنبية ومنها فروع ثلاث منظمات أميركية شهيرة. تم إغلاقها بعد تفتيشها ومصادرة ما بها من وثائق ومستندات، بحجة أنها تعمل بصورة غير قانونية وتقوم بتمويل نشاطات سياسية بصورة غير مشروعة!

الهجمة أثارت ردود فعل متبانية في الداخل والخارج، خاصة أنها تجيء في ظروف بالغة الدقة، ووسط نشاط واسع لمنظمات حقوق الإنسان وأزمة واسعة بعد انتهاكات فاضحة ارتكبتها الأجهزة الأمنية والعسكرية ضد المدنيين سقط فيها شهداء وانتهكت فيها أعراض واتسعت الهوة بين شباب ثائر وبين الحاكمين في الفترة الانتقالية. في هذه الظروف وقعت الهجمة على مقرات المنظمات الحقوقية لتفتح من جديد ملف منظمات حقوق الإنسان وقضية التمويل الأجنبي لها. وهو ملف قديم، ولكنه تجدد بعد الثورة ومع اتهامات بتدفق تمويل هائل لهذه المنظمات بعيداً عن أعين الحكومة.

ومن وجهة النظر الرسمية فإن ما تم هو إجراء قانوني، وأن بعض المنظمات التي تمت مداهمتها تعمل من دون تصريح، وبعضها الآخر يمارس أنشطة سياسية لا يجوز له ان يمارسها، وأن الأمر كله في يد النيابة والقضاء. وهنا ينبغي التوقف أمام أصول المشكلة. فهناك قانون للجمعيات الأهلية تقول هذه المنظمات إنه يفرض قيوداً تمنعها من ممارسة عملها بصورة فعالة، ويقيد حركتها ويخضع كل نشاطها للرقابة والإشراف من الأجهزة الرسمية.

ولهذا لجأت بعض المنظمات إلى الالتفاف على هذا القانون بممارسة عملها باعتبارها «شركات» وبالتالي لا تخضع للقيود التي تفرض على منظمات العمل الأهلي بمقتضى القانون. في ظل هذه الأوضاع نشأت مئات المنظمات التي أدى الكثير منها عمله بإخلاص وتفان، وفي ظروف بالغة الصعوبة، ولكن أيضاً نشأت منظمات استهدف أصحابها التربح ونشأت منظمات أخري أدت أدواراً سيئة في قضايا شائكة وخطيرة، حيث كان السعي للتمويل الأجنبي يتيح الفرصة لوجود «أجندات» لا تتوافق مع المصالح الوطنية، رفضتها المنظمات المحترمة، ولكن كان هناك من قبلها، لتفتح ثغرات في ملفات مثل ملف الأقباط أو النوبة أو بدو سيناء!

كان المفترض أن ينتهي هذا الوضع بعد الثورة التي أسقطت أجهزة الدولة البوليسية ووضعت كرامة الإنسان في مقدمه أهدافها. وكان من المفترض أن يسعى الجميع لإقرار قانون جديد ينظم عمل منظمات حقوق الإنسان، ويكفل لها حرية الحركة ويفتح أمامها سبل التمويل المحلي الذي لم يكن متوفراً قبل ذلك لخوف المانحين من غضب السلطات قبل الثورة، وينظم عملية التمويل الأجنبي بحيث يتم من خلال مؤسسات الدولة ويخضع لرقابة الأجهزة المسؤولة وأيضاً لرقابة الرأي العام. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وبقي الأمر على ما هو عليه، بل زاد عليه الحديث الأميركي عن مضاعفة التمويل للمنظمات بعد الثورة، والمخاوف من محاولات اختراق صفوف شباب الثوار.

حتى جاءت الهجمة الأخيرة التي طالت سبع عشرة منظمة، منها منظمات لعبت دوراً مهماً في الدفاع عن حقوق الإنسان قبل وبعد الثورة وحققت سمعة طيبة محلياً وعالمياً. بينما تركت ــ حتى الآن ــ منظمات يعرف الجميع أنها منظمات التربح أو تحيط بها الشبهات.

كما تركت ــ حتى الآن ــ جمعيات قيل إنها تلقت أموالاً هائلة وارتكبت مخالفات في إنفاقها، وقد قيل إن التحقيقات ستشمل أكثر من 360 منظمة وجمعية. ولكن السؤال هو هل ستتم مداهمة هذه الجمعيات والمنظمات بالطريقة السيئة التي حدثت مع المنظمات السبع عشرة التي تم اقتحامها في الأسبوع الماضي؟ وهل سيشمل التحقيق جماعة الإخوان المسلمين التي لا تخضع لأي قانون منذ حلها قبل ستين عاماً، والتي أصبحت صاحبة الأغلبية البرلمانية والشريك الأساسي في الحكم؟

ويبقى الجانب الآخر في هذه القضية، وهو الذي يتعلق بالمنظمات الأجنبية العاملة في مصر، وردود الفعل الغاضبة خاصة من الولايات المتحدة الأميركية، حيث انطلقت تهديدات بوقف المعونة الأميركية العسكرية (1.3 مليار دولار سنوياً) وانطلقت أيضاً اتهامات وصلت للحديث عن «فلول» النظام السابق أو بقاياه التي تعادي الديمقراطية وتعادي مصالح أميركا!

وبغض النظر عن أن هذه «الفلول» كانت محل رعاية ودعم أميركا على مدى ثلاثين عاماً، فإن الأمر يكشف عن عمق الأزمة بين واشنطن والقاهرة التي ما كانت تلجأ لمداهمة مقرات منظمات أميركية تابعة للحزبين (الجمهوري والديمقراطي) وهي تعلم بالطبع العواقب، إلا إذا كان ذلك في إطار التعبير عن غضب عارم أو رداً على مواقف لم تعد تحتمل من جانب المجلس العسكري الحاكم!

عندما قامت الثورة في يناير من العام الماضي كان الرجل الثاني في المؤسسة العسكرية المصرية الفريق سامي عنان في زيارة واشنطن، وقد عاد إلى القاهرة فوراً وقبل أن يتطور الموقف الأميركي من تأييد النظام إلى «ارحل»، ومع رحيل مبارك بدا أن الإدارة الأميركية تقبل وجود المجلس العسكري في الحكم على مضض، ومع تطور الأحداث بدا أنها تمارس كل أنواع الضغط ليترك المجلس العسكري الحكم في أقرب وقت.

وكان الإعلان بعد ذلك عن الرضا الأميركي المسبق عن فوز الإخوان المسلمين بالانتخابات تحولاً مهماً في السياسة الأميركية، وقد قبلته المؤسسة العسكرية في مصر، ولكن ذلك لم يمنع التصعيد في الموقف وتشديد الحصار الاقتصادي والضغوط السياسية رغم إعلان المجلس العسكري عن تركه للسلطة في يونيو وإجراء الانتخابات البرلمانية والإعداد لانتخابات الرئاسة.

رغم هذا ظل التوتر في العلاقات بين القاهرة وواشنطن قائماً، وليست قضية الديمقراطية بالطبع هي ما يشغل الإدارة الأميركية. وليس القبول الأميركي بحكم الإسلاميين هو ما يزعج المؤسسة العسكرية المصرية. هناك بالقطع ما هو أخطر، لكي تضع المؤسسة العسكرية التي تتولى مسؤولية الحكم في مصر علاقتها بواشنطن في هذا الموقف المتأزم، ولكي تهاجم واشنطن «فلول» النظام الذي كان حليفها الاستراتيجي على مدى ثلاثين عاماً ، فلننتظر ونرى، وبالقطع لن يطول الانتظار.