في الماضي كانت السياسة في عالمنا العربي بمحركاتها الغربية تفرق والصحافة بثقافتها العربية توحد، وجاءت مرحلة انقلبت فيها الأدوار، فإذا الصحافة بألوان غربية وشرقية تفرق والسياسة بضرورات ومحاذير واقعية توحد، لكن ما نعايشه اليوم كعرب ومسلمين في هذا الشرق هو واقع أكثر مأساوية حين نجد أنهما معاً مذنبان، فالصحافة تمزق والسياسة تفرق!

وحينما أقول الصحافة فإنني أعنى الصحافة بمعناها الشامل أي المقروءة والمرئية والمسموعة أي كل وسائل الإعلام تقريبا بما لها من رسالات وما عليها من واجبات تجاه الرأي العام، أولها هو الصدق وآخرها هو الحق، وحينما أتكلم عن السياسة فإنني أعنى الساسة وتنظيمات السياسة ومؤسسات السياسة بما لها من أهداف وما عليها تجاه الشعب الذي تستمد تفويضها وشرعيتها منه من التزامات أو هو التعبير عن إرادته وآخرها هي تحقيق مطالبه، فدور الإعلام العربي الحر والمستقل، والواعي برسالته والمسؤول عن حريته.

هو التعبير عن ضمير شعبه وآمال أمته، حين يقف مدافعا عن الحقوق والحريات وأولها حق الوطن وحرية الشعب، ومهاجماً للظلم بكل أنواعه، ظلم الشعوب أو الأفراد، وحينما لا يتماهى مع أجندة فتنوية تقسيمية صهيونية أميركية أو أوروبية غربية، ولا يستخدم سلاحاً للإثارة والتفرقة، أو بوقا للتضليل والتشكيك، بل سلاح للدفاع عن قضايا العرب الأشقاء، وليس لتبرير جرائم المعتدين الأعداء.

فيما دور السياسة العربية بسلطاتها ومسؤولياتها هو التعبير عن إرادة الشعب العربي في الوحدة بين أجزاء الوطن العربي، سعياً لاستعادة القوة وبناء النهضة العربية واستعادة الحقوق وتحرير الأوطان العربية المحتلة ونصرة الشعوب العربية المقاومة للظلم والاحتلال، ورفع مستوى معيشة وكرامة الإنسان الفرد عن طريق تحقيق العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واحتلال المكانة اللائقة بأمة الرسالات السماوية ووطن الحضارات الإنسانية.

وحينما نعرف أن الحكم على إيجابية دور الإعلام العربي يتحدد بمدى ما يستطيع أن يحققه كجسر مرور للوقائع الصحيحة في اتجاهين، وكمنبر حوار لكلا الرؤيتين بل ولكل الرؤى، وكمعبر عن تطلعات الشعب العربي فيما يوحد لا فيما يفرق. فإن تداخل الأدوار وتخلي بعض وسائل الإعلام الناطقة بالعربية عن دورها المحاور لكل الأطراف واتخاذ موقف التابع الدائم لأحد الأطراف سواء في داخل الوطن الواحد أو بين دولة وأخرى، إنما يضع الإعلام هنا في الموقع الخطأ.

وبدلاً من أن يكون جسراً ذا اتجاهين لعبور وجهات النظر بقصد بلورة القواسم المشتركة والتمسك بها وصولاً إلى المصالحة الوطنية أو التضامن العربي، يصبح ميداناً للقصف الإعلامي المتبادل كصدى للخلاف السياسي المتبادل، وخدمة لأجندات أجنبية في التحريض على الفتن وإثارة الشقاق.

وبينما ندرك جميعاً أن ما يجمع في الواقع بين أبناء الوطن الواحد، وبين العرب والعرب وبين المسلمين والمسلمين هو أكثر مما يفرقهم في السياسة بصداها الإعلامي، فإن واجب الإعلام العربي إن كان يعمل حقاً خدمة للأجندة العربية لا الغربية هو التأكيد على ما يوحد والتغاضي عما يفرق، والتصدي للكبائر والتعالي عن الصغائر،

وهنا، فالسياسة غير الحكيمة هي التي تتعامل مع القليل الذي يفرق بينما تتجاهل الكثير الذي يوحد وطنياً وقومياً، والإعلام غير الرشيد هو الذي تستوقفه الصغائر ولا تقلقه الكبائر بل هو الذي يهول الصغائر ويهون الكبائر غالباً، وأحياناً ما يستهويه تحويل الصغائر إلى كبائر!

وإذا كانت أزمة السياسة هي في حقيقتها هي أزمة ثقافية، وأزمة الإعلام في الواقع هي أزمة أخلاقية يكون المطلوب هو تثقيف السياسة واحترام الأخلاق، وتحرير الإعلام من الساسة، والكف عن محاولات إفقاده لدوره أو إفساده في عصر حقوق الإنسان والسماوات المفتوحة وثورة الاتصالات وتدفق المعلومات والديمقراطية والحريات حتى لا يتحول الإعلام إلى أداة تدمير بإثارة الفتن الوطنية والعربية، بينما هو في الأساس أداة بناء ومنبراً للرأي العام للتعبير والتنوير والتأثير.

وبدلاً من قيام الإعلام بالتخلي عن حياديته وموضوعيته ومصداقيته بشن الحروب الإعلامية وصب الزيت على نار الفتن والخلافات، بدلاً من تقريب المواقف وتعزيز التفاهم الوطني والقومي، فالمطلوب من الإعلام العربي الوقوف على مسافة متساوية بين كل سلطات وتيارات الوطن الواحد، وبين كل حكومات وتيارات الأمة الواحدة، وألا يسمح لنفسه بأن يكون صدى لمشروع استبدادي أو استعماري، قياماً بدوره التوحيدي وللتوفيق لا للتفريق، وللتعبير الحر والمسؤول للتنوير، لا للإثارة أو التخدير. وقمة الشرور التي تظهر أسوأ ما في الإنسان .

وتدمر كل قيمة أخلاقية، هي الحروب الظالمة غير المشروعة، التي تبادر بالعدوان لتحقيق أطماع مصالح مادية بغير حق، أو لإسقاط نظام حكم مناوئ، أو لإخضاع دولة ما وإجبارها على خيار سياسي أو اقتصادي معين على عكس إرادة شعبها. ولأن أهدافها غير مشروعة فلا بد أن تكون وسائلها الإعلامية بالتالي غير مشروعة، وهي في النهاية تحقق من الخسائر الإنسانية والأخلاقية ما يفوق أي مكاسب وهمية أو مادية.

ولأن شرف الوسيلة ينبع من شرف الغاية، فلا يمكن أن توجد أهداف سياسية مشروعة بوسائل إعلامية غير مشروعة، ولا وسائل مشروعة لأهداف غير مشروعة، أي أنه لا وسائل شريفة لغايات غير شريفة، والعكس صحيح. وفي النهاية تبقي القيم والغايات الإنسانية والأخلاقية الخيرة، في مواجهة القيم والغايات اللاإنسانية واللاأخلاقية الشريرة، هي معيار شرف ومشروعية الوسيلة الإعلامية والهدف السياسي.

في النهاية، فإن الإعلام الحر ليس من مهمته الصمت على عدوان أو طغيان، وعلى فساد أو استبداد، أو حق من حقوق الإنسان، فالصامت عن الحق شيطان أخرس، والإعلام الصادق ليس من مهمته الكذب فالكاذب على الناس مزور للحقائق ومضلل للرأي العام، والإعلام الذي يروج لاتهام البريء أو لتبرئة المجرم، ويناصر الطرف الظالم طمعاً، أو يتخاذل في نصرة المظلوم خوفاً هو ظالم لنفسه قبل أن يكون ظالماً لغيره، وفاقداً لأمانته ورسالته ومصداقيته واحترامه لدى الرأي العام.