عام فاصل في التاريخ العربي، هكذا كان العام الذي مضي الذي بدأ ربيعاً عربياً مليئاً بالوعود وانتهى شتاءً صعباً تدفع فيه الشعوب العربية ثمناً غالياً ويتساقط فيه آلاف الشهداء، وتتوزع المشاعر بين التمسك بالأمل ومقاومة السقوط في دائرة الإحباط !
ربما كان السقوط السهل لرأس النظام في كل من تونس ومصر، وهو الذي أطلق أوسع الآمال في ربيع عربي يعوض سنوات التخلف والاستبداد، وينشر العدل والديمقراطية. كان النظامان الحاكمان في القطرين العربيين يبدوان ممسكين بالسلطة مع أجهزة أمنية تمرست في قمع أي تحرك جماهيري. فجأة، ومع انطلاق الملايين في تظاهراتهم السليمة إنهار كل شيء، وخلال أيام هرب الرئيس التونسي، وتخلى الرئيس المصري عن الحكم، وبدا أن العالم العربي قد عرف الطريق أخيراً إلى ربيع الديمقراطية الذي طال انتظاره.
وبدأت الشرارة تنتقل إلى ليبيا وسوريا واليمن وغيرها. لكن المسار اختلف، وما بدا سهلاً تحقيقه كما حدث في تونس ومصر، أصبح صعباً وعسيراً، وما كان سليماً في بداية الربيع تحول إلى بحور من دماء وآلاف من ضحايا. سقط النظام في ليبيا، وما كان له أن يستمر. ولكن الثمن كان فادحاً وتدخل الأطلسي ترك وراءه عشرات الألوف من الضحايا وتدميراً شاملاً وبلداً تتهدده الحروب الأهلية. وفي سوريا سقط الآلاف من الضحايا ومازالت الجهود العربية تحاول إنقاذ الموقف بينما يسعى البعض إلى «التدويل» الذي سيكون كارثة كاملة بكل المقاييس.
بينما المحاولات تمضي لتفعيل المبادرة الخليجية في اليمن لوقف الاقتتال الداخلي ورحيل الرئيس اليمني، وإن كان ذلك لن يحل المشاكل الحقيقية التي قامت الثورة من أجلها. كان الفارق الأساسي هو موقف الجيش الذي تخلى عن النظام السابق في كل من مصر وتونس، بينما بقي على ولائه للأنظمة الأخرى. تخلى الجيش عن بن على فأسرع بالفرار، وانحاز الجيش في مصر للثورة فلم يكن أمام مبارك إلا التخلي عن الحكم، لكن المسار اختلف بعد ذلك.
ساعدت الظروف الجيش التونسي على البقاء بعيداً عن مسؤوليات الحكم وتعاونت القوى السياسية على وضع ترتيبات الفترة الانتقالية. بينما في مصر انتقلت كل السلطات لقيادة الجيش التي لم تكن مؤهلة لتحمل العبء ولم تكن لديها الخبرة السياسية لإدارة الصراعات الكبيرة. ورغم المضي في عملية نقل الحكم إلى السلطة المدنية وإتمام مرحلتين من مراحل انتخاب مجلس الشعب الثلاث بنجاح كبير، فإن الأوضاع لا تبشر بأن انتخابات البرلمان ستنهي الأزمة، بل لعلها تزيدها اشتعالاً!
نستطيع أن نقول الكثير عن أخطاء المجلس العسكري المصري في إدارة الفترة الانتقالية. لكن الإنصاف يقتضي أن نذكر عدة حقائق ساهمت في وصول الأوضاع إلى الأزمة التي تجاهد مصر الآن لتخطيها.
كان هناك إدراك بأن أميركا والغرب يريدون « ثورة على المقاس » تكون أكثر ارتباطاً بالقيم الغربية والمصالح الأميركية والأوروبية، وتحافظ على المعاهدة مع إسرائيل، ولا تفكر في استعادة دور مصر العربي الذي افتقدته الأمة طويلاً.
وكان هناك إدراك بحجم المخاطر الاستراتيجية مع أوضاع مضطربة في غزة، ومع انفصال جنوب السودان، مع تفاقم الأزمة حول مياه النيل. ثم زادت المخاطر باندلاع الثورة في ليبيا وبوجود قوات الأطلنطي على حدود مصر وبإعلان أميركا عن تحالف عسكري مع النظام الجديد هناك وربما إقامة قواعد عسكرية أميركية بالقرب من الحدود.
وكان هناك رصد لتحركات أميركية أدت إلى توتر العلاقات بين واشنطن والمجلس العسكري، فأميركا التي فاجأتها الثورة ووقفت في البداية مع النظام السابق حتى أيقنت من سقوطه، يبدو أنها تحمل المسؤولية عن ذلك للقيادة العسكرية المصرية، وهي ـــ رغم العلاقات الممتدة على مدى ثلاثين سنة ــ تدرك أنها لم تنجح في تغيير العقيدة الأساسية للجيش المصري التي ظلت تقوم على أن إسرائيل هي العدو الأساسي.
ورغم ما أبدته واشنطن في البداية من مظاهر الترحيب بالثورة، إلا أن الواقع يقول إنها لم تقدم شيئاً لدعمها، بل هددت بإنقاص المعونة العسكرية أو وقفها. وفي نفس الوقت كانت تضخ الأموال لجمعيات ومؤسسات وأحزاب وترفض أن يكون ذلك بعلم الحكومة المصرية أو إشرافها.
رغم تأكيد المجلس العسكري عزمه على ترك السلطة، فإن الضغوط لم تتوقف، وعلينا هنا أن نتذكر أحداث سيناء ومحاولة زرع عناصر الإرهاب وتوطينها هناك. وفي نفس الوقت فإن أكثر ما أثار ارتياب المجلس العسكري هو ما رصدته عن مخططات لأعمال شغب تستهدف بعض منشآت هيئة قناة السويس وتهدد بتعطيل الملاحة في القناة.
كان واضحاً أن هناك عملاً منظماً لضرب التحالف الذي أنجز المرحلة الأولى من الثورة، بين قوى الثورة الحقيقية الشابة وبين الجيش الذي حمى الثورة وأسقط النظام. وفي نفس الوقت كان قرار واشنطن باستعادة التعاون القديم مع قوى الإسلام السياسي.
كل هذا لا يبرر الأخطاء الفادحة التي وقع فيها المجلس العسكري. لقد كان مفترضاً ان يدير المرحلة الانتقالية لكي تنتهي بتسليم السلطة لقوى الثورة بعد إسقاط ركائز النظام القديم السياسية والاقتصادية والإعلامية. ولكن هذا لم يحدث، وإنما حدث العكس، اصطدم بقوى الثورة التي ارتكبت أيضاً العديد من الأخطاء، وبقيت على انقسامها وتشرذمها. ثم كانت الكارثة في توريط جنود من الجيش في جرائم قتل وسحل للمدنيين، حتى لو كانت تدافع عن مؤسسات عامة وتقوم بدور غير مؤهلة له على الإطلاق.
والنتيجة أن العام الذي بدأ ومصر كلها تهتف «الشعب والجيش إيد واحدة « ينتهي بمطالبات برحيل المجلس العسكري عن الحكم حتى قبل الشهور الستة الباقية من الفترة الانتقالية. لكن القصة لم تنته. فتسليم المجلس العسكري الحكم للسلطة المدنية لا يعني خروجه من المعادلة. والبرلمان بتشكيلته المتوقعة سوف يواجه وضعاً بالغ الصعوبة حين يطلب السلطة باعتباره الهيئة المنتخبة، بينما قوى الثورة في الخارج لا تعترف إلا بشرعية الميدان بعد استبعادها من السلطة.
والكل الآن يتحدث عن مواعيد مبكرة لإنهاء الفترة الانتقالية، بينما الحقيقة على الأرض تقول إن الفترة الانتقالية لم تبدأ بعد. ولن تبدأ إلا إذا بدأ العمل الحقيقي لإسقاط كامل للنظام السابق وإقامة دعائم النظام الجديد. ولن تنتهي إلا بتغيير السياسات الأساسية التي حكمت مصر لعقود، وإلا إذا قام دستور حقيقي يؤكد على مدنية الدولة ويضمن المساواة الكاملة لأبنائها. العام الماضي كان عام البداية لربيع لن يكتمل إلا إذا انتقلت السلطة لأجيال جديدة هي التي فجرت الثورة وهي التي ستواصل النضال حتى تنتصر. المهم الآن أن يتصدى الربيع العربي لقوى الثورة المضادة، وأن لا يستسلم أبداً لمشاعر الإحباط !!