التقيت منذ أسبوعين سالم، الأخ الأصغر لبائع الفاكهة التونسي الشجاع الذي أشعل الانتفاضة العربية عندما أشعل النيران في نفسه. عندما سألته عما سيقوله أخوه في الجنة إذا سألناه عن التغيير في العالم العربي الذي كان يتمنى حدوثه نتيجة تضحيته. لم يتردد سالم في الرد: «أن يكون من حق الفقراء أن يبيعوا ويشتروا». يجب تذكر هذه الكلمات في مناقشات الخبراء لتحديات مستقبل الثورة العربية ومحاولات الدول أن توازن بين الديمقراطية والولاء للدين الإسلامي وبين العولمة والقوى القبلية.
ففي أعقاب قلب أنظمة ثلاثة حكام مستبدين، لم يتم بعد إعطاء التقدير الكافي للإجماع الجبار الذي أثار هذه الانتفاضة وهو رغبة طبقة دنيا واسعة من الناس في دخول مجال الاقتصاد بشكل قانوني. إن القاسم المشترك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تتسم بالتنوع الثقافي، هو دور الاقتصاد غير الرسمي، وهو المفتاح للنمو المستقبلي وللاستقرار.
فلا يجب أن ننسى أن التحول السياسي الكبير الذي يشهده العالم العربي إنما بدأ عندما قام طارق محمد بوعزيزي البالغ من العمر 26 عاماً بإشعال النار في نفسه أمام مكاتب المحافظ في بلدة سيدي بوزيد في ديسمبر من العام الماضي، بعدما تمت مصادرة السلع التي كان يحاول بيعها. وبعد أن حرق نفسه بيوم واحد، نزل إلى الشوارع الآلاف من بلدته والقرى المجاورة.
وقبل مرور عدة أسابيع رأى العديد من الـ 180 مليون عربي الذين يعملون داخل وحول الأسواق غير الرسمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن حالهم من حال بوعزيزي، وبدؤوا في إطلاق صيحاتهم للسماء. قامت الملايين بالسير تحت رايات تطالب بالإصلاح. وفقاً لأبحاث قام بها أحد زملائي، إن 35 رجلاً في وضع اقتصادي مشابه لبوعزيزي حذى حذوه وقام بإشعال النار في نفسه يأساً (13 آخرون في تونس، و17 في الجزائر، و4 في مصر، و3 في المغرب، والخ). لقد تعاطف الناس مع وضعه المتردي: فمثله مثل 50% من جميع العرب العاملين، هو صاحب عمله الخاص.
وان كان على هامش القانون. مات وهو يحاول الحصول على الحق في أن يكون له ملكية، وأن يقوم بأعماله دون مضايقات من السلطات الفاسدة. إذا أراد قادة المنطقة الجدد أن يغيروا الواقع فعليهم ان يقدروا الطبقة الدنيا من هؤلاء الرأسماليين المتطلعين حق قدرهم، فهذه الطبقة تمتد عبر الدول العربية.
وهي عابرة للغات والبيئات والثقافات المختلفة. وليس لدي شك في أن هذه الطبقة ستشكل قوة الدفع الرئيسية في الشهور المقبلة. فإذا كنا تعلمنا أي شيء من ماركس، فهو أن منعدمي القوة يتحولون لطبقة ثورية عندما يدركون أن معاناتهم هي همّ مشترك يجمع بينهم وخاصة عندما تتجسد هذه المعاناة في شهيد. بلا شك هناك ملايين العرب يعتبرون بوعزيزي رمزاً لهم. يقول لي مهدي بيلي، خريج جامعي درس تكنولوجيا المعلومات ويعمل كتاجر في سوق لاريانا بتونس «كلنا بوعزيزي».
وللتوضيح علينا تأمل التفاصيل الآتية: أشعل بوعزيزي ولاعته الساعة 11،30 صباحاً وذلك بعد مرور ساعة على قيام شرطية واثنين من الضباط المحليين بمصادرة قفصي كمثرى (ثمنهما 15 دولارا) وقفص موز (ثمنه 9 دولارات) وثلاثة أقفاص تفاح (ثمنها 22 دولارا) وميزان الكتروني مستعمل (ثمنه 179 دولارا). وبينما قد لا يبدو ان إجمالي كل هذا وهو 225 دولارا سبباً يبرر الانتحار، إلا أنه في واقع الأمر قد قضى نهائياً على بوعزيزي كرجل أعمال.
فبمن دون تلك السلع، لن يستطيع بوعزيزي إطعام أسرته لفترة تطول عن شهر، فنظراً لشرائه بضاعته بالسلف وعدم قدرته على بيعها لسداد سلفته، فقد أصبح مفلساً. ونظراً لمصادرة أدوات عمله، فقد فقد رأس ماله أيضاً. ونظراً لانتهاء الترتيب المعتاد على أن يدفع للسلطات ثلاثة دنانير يومياً من أجل حق ركن عربة البيع الخاصة به على مساحة 2 ياردة مربعة في مكان عام، فقد النافذة التي يدخل منها ولو بشكل غير رسمي - للسوق. من دون ملكية وتجارة، تم القضاء على فرصته كبائع سلع يمكن الاعتماد عليه في السوق الوحيدة التي يعرفها.
لم يكن لدى بوعزيزي راتب. كان صاحب عمل مبتدئ. ووفقاً لأمه وأخته، كان هدفه جمع رأس المال حتى يكبر من أعماله. لكن عندما بحثنا في القوانين التي كان عليه أن يتبعها، اتضح لنا أن هذا كان مستحيلاً. فحتى يستطيع بوعزيزي الحصول على الائتمان اللازم لشراء الشاحنة التي يحتاجها، كان عليه إظهار ضمانات معترف بها قانونياً. وكان الضمان القانوني الوحيد الذي يستطيع الحصول عليه هو منزل العائلة في سيدي بوزيد.
إلا أنه لم يستطع أبداً أن يسجل عقد المنزل في السجل العقاري وهو شرط لا غنى عنه لاستخدام المنزل كضمان. ويتطلب الأمر 400 يوم من الإجراءات البيروقراطية والتي تبلغ تكلفتها 2976 دولاراً. ومن أجل بدء مشروع بشكل قانوني كان على بوعزيزي اتخاذ 55 خطوة إدارية خلال 142 يوماً وإنفاق حوالي 3233 دولاراً ( وهو ما يعادل صافي دخله الشهري 12 مرة، من دون إضافة مصاريفه).
وحتى لو كان قد حصل على الأموال والوقت للحصول على حق إنشاء شركة، فإن القانون لا يمكنه من جمع الموارد اللازمة من خلال جلب شركاء والحد من المسؤولية لحماية الأصول المملوكة لعائلته، وفى النهاية، إصدار أسهم وأوراق مالية لجذب الاستثمارات الجديدة.
إن قوى السوق قد وصلت إلى العالم العربي حتى لو كان ذلك من دون دعوة من حكومات المنطقة. وبعد اشتعال النيران في بوعزيزي وخروج أقرانه احتجاجاً، على القادة السياسيين أن يدركوا أن الفقراء العرب لم يعودوا خارج السوق، وإنما أصبحوا بداخله، وبجوارهم. ليس هناك من شك في أن الإجماع العربي في المستقبل يشمل أشياء أكثر بكثير من تحرير الفقراء الراغبين في أن يصبحوا أصحاب أعمال. لكن قادة الشرق الأوسط وأفريقيا لا يجب أن ينسوا سبب الثورة الصناعية:
وإذا كان جدول أعمالهم لا يتضمن معالجة أوجه القصور المؤسسية التي تجعل من معظم العرب فقراء، فإنهم بذلك سيقومون بفتح الأبواب لأعداء الديمقراطية والحداثة - والذين يحاربون الديمقراطية والحداثة باسم هؤلاء الفقراء.