استقبل المثقفون المصريون بكل التقدير مبادرة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، والتي أعلن فيها تبنيه عملية إحياء المجمع العلمي المصري الذي احترق في الأحداث الأخيرة، وإهداءه مجموعة من الكتب والمخطوطات ذات القيمة التاريخية الكبيرة، والتي تحويها مكتبته الخاصة.

والسعي لتعويض ما فقد من مقتنيات المجمع التي لا تقدر بثمن من المكتبات والمصادر العالمية. المبادرة لم تفاجئ الكثيرين ممن يعرفون صاحب السمو حاكم الشارقة عاشقاً لمصر وللثقافة، وقارئاً ودارساً للتاريخ، ومنتمياً لعروبته بالفعل وليس فقط بالأقوال، ومساهماً في العديد من المشروعات الثقافية التي تخدم قضايا الأمة. بالطبع سيظل البشر قبل الحجر، وسيظل وقف سيل الدماء وإيقاف العنف هو المطلوب أولاً، وسيظل القصاص للشهداء والمحاسبة على كل تجاوز حدث هو أساس استقرار الأوضاع.

ولكن هذا كله لا يمنع أن إحراق المجمع العلمي كان حادثاً جللاً، وأنه سيكون علامة فارقة في مسار الأحداث، وأن الوقوف عنده ضروري ليس فقط احتراماً للتاريخ، وإنما أيضاً خوفاً على الحاضر والمستقبل. يتذكر المصريون كيف كان إحراق القاهرة في يناير 1952 هو الإشارة إلى انهيار نظام تحقق بعد ذلك بشهور قليلة في يوليو من نفس العام مع قيام ثورة يوليو التي غيرت وجه الأحداث في مصر والعالم العربي.

ولا شك أن الظروف تختلف، ومصر تعيش الآن في ظل ثورة قاربت على العام، ولكن الصحيح أيضاً أن الثورة لم تكتمل، وأن الصراع حولها مستمر، وأن أمامها الكثير ليتحدد مصيرها والطريق الذي تسير فيها أو النقطة التي تتوقف عندها. حريق المجمع العلمي لم يكن البداية لنشاط مشعلي الحرائق منذ يناير.

ولعل هذا يبعدنا عن هذا الجدل الزائف الذي يحاول فيه البعض إلصاق هذه الجريمة بالطرفين الأساسيين في الأحداث الأخيرة، فلا شباب الثورة الحقيقيون يمكن أن يقدموا على هذه الجريمة، ولا القوات المسلحة يفكر أحد فيها للحظة في المساس بصروح مصر ومؤسساتها التي يحمونها منذ قيام الثورة وانهيار الشرطة وانفلات الأمن.

عودة إلى الوراء مع اندلاع الثورة التي شبابها يتمسكون بإصرار ورغم ما قوبلوا به من عنف بأنها سلمية، اندلعت النيران في مقرات الحزب الوطني الحاكم وقتها، وفسر هذا بأنه رد فعل طبيعي لغضب الجماهير على الحزب ورموزه. لكن إشعال النيران امتد بعد ذلك إلى مديريات الأمن وأقسام الشرطة والسجون التي فر منها آلاف المجرمين ومازال بعضهم هارباً حتى الآن. وكان الملاحظ أن الهجوم على هذه الأماكن الذي كان تبريره هو الكراهية لأجهزة الأمن وممارساتها القمعية في ظل النظام السابق، قد تم في توقيت واحد تقريباً وبنفس الأسلوب، الذي امتد بعد ذلك إلى مباني المحافظات وإلى عدد من المحاكم في القاهرة والأقاليم.

ما بين حرائق السجون وأقسام الشرطة والمحاكم في يناير وحريق المجمع العلمي في ديسمبر كان الطريق طويلاً ومليئاً بالأزمات والعقبات التي وضعت أمام مسيرة الثورة. أخفق المجلس العسكري في إدارة الفترة الانتقالية بالطريقة التي تضمن انتقال الحكم في النهاية لقوى الثورة.

وأخفق شباب الثورة في تنظيم صفوفهم والانتقال بالثورة من الميدان إلى ساحة الصراع السياسي. وفي المقابل كانت القوى والأحزاب التقليدية تظهر على الساحة وتستفيد من خبرتها واستعدادها وإمكانياتها المالية والتنظيمية لتدخل الانتخابات البرلمانية التي بات واضحاً انها ستنتهي بفوز الأحزاب الإسلامية (الإخوان والسلفيون) بالأغلبية وسيكون معهما تحالف الكتلة الذي ذهبت إليه أصوات الأقباط في انتخابات سيطرت عليها الصراعات الدينية.

وسيخرج منها شباب الثورة صفر اليدين. في الطريق لم يتوقف مشعلو الحرائق عن نشاطهم من حرق الكنائس، إلى حرق مقرات أمن الدولة، إلى حرق بعض المباني الملحقة بوزارة الداخلية، إلى محاولات متكررة لاقتحام وزارات ومبان رسمية، كان الأخطر فيها ما تردد بعض الفترات عن محاولة عرقلة العمل بقناة السويس، ثم التحريض المستمر على الصدام مع القوات المسلحة.

وهو ما كان يرفضه على الدوام شباب الثورة الحقيقيون الذين اختلفوا مع المجلس العسكري واعترضوا على الكثير من قراراته وضغطوا من أجل تحقيق مطالبهم، ومع ذلك تمسكوا دائماً بالسلمية وبرفض استخدام العنف.

السيناريو الأسوأ هو ما تواجهه ثورة مصر الآن، وهو ما ينبغي التصدي له بكل قوة، ويحتاج لدعم كل الحريصين على مصر ومستقبلها ودورها في المنطقة. الأخطاء المتراكمة من كل الأطراف الفترة الانتقالية قادت إلى الأزمة الأصعب.

وفي الوقت الذي تتم فيه الانتخابات البرلمانية التي كان الكثيرون يتصورون أنها ستنهي الفترة المضطربة، كان الموقف يشتعل على الأرض، وكان المطلوب دائماً من أعداء مصر وأعداء الثورة أن يتورط الجيش في صدام مع المدنيين. الجيش في مصر ليس هو «العسكر» في الدول النامية.

منذ إنشاء الدولة الحديثة وهو جزء أساسي من الحركة الوطنية المصرية، لم يبتعد عن آمال الشعب وهمومه منذ ثورة عرابي وحتى ثورة يوليو، ولم يكن انحيازه لثورة الشعب في يناير إلا استكمالاً لهذا الدور، حتى وإن تعارضت الرؤى واختلفت الطرق بعد ذلك في الفترة الانتقالية.

كان التحالف بين القيادة العسكرية وبين قوى الثورة المدنية الشابة هو الأمل في اجتياز هذه المرحلة بأمان، وفي تشكيل حائط صد يحمي الدولة المدنية الحديثة، ويعمل على انتقال السلطة إلى قوي الثورة القادرة على تحقيق أهدافها. لكن أخطاء المرحلة الانتقالية وقلة الخبرة السياسية لدى شريكي الثورة الأساسيين (الجيش والشباب) أديا إلى أسوأ ما كان من الممكن توقعه، هذا الصدام الذي يفتح الباب لأشد المخاطر.

وهذا النجاح لمخططات توريط القوات المسلحة في عنف ما كان ينبغي أن يقع بين ثوار سلميين وبين جيش كان حريصاً على الدوام ان يظل فوق كل الصراعات، وأن يظل المؤسسة التي تمثل وحدة المصريين وتحميهم من أخطار الداخل والخارج.

والحديث كما في كل الصدامات السابقة يجري عن طرف ثالث لم يكشف عنه الستار أبداً، عن مخططات لهدم مؤسسات الدولة، وعن تمويل داخلي وأجنبي، وعن عصابات من مجرمين وأطفال شوارع يجري استغلالهم لإشعال الموقف وضرب الثورة. استهداف مصر أمر لا شك فيه.

وحصار دورها وإرغامها على الانكفاء على مشاكلها هدف دائم لأعدائها، وعندما فاجأت الثورة الجميع كان هناك إدراك بأن المعركة حول مصر هي التي ستحسم مستقبل المنطقة لسنوات طويلة، وأن عودة مصر التي طال انتظارها ستحرم قوى عالمية وإقليمية من فرصة الانفراد بتقرير مستقبل المنطقة في غياب العرب وعلى حسابهم.

لكن هذه كله لا يبرر الأخطاء في إدارة المرحلة الانتقالية في مصر ولا يبرئ ذمة كل الأطراف التي حولت المشهد الواعد بكل خير والملايين تهتف وسط أفراح الانتصار في فبراير الماضي «الجيش والشعب إيد واحدة»، إلى هذا المشهد المحزن والمنذر بكل المخاطر بعد أحداث الأسبوع الماضي حول مجلس الوزراء، مع تساقط الشهداء وتوريط القوات المسلحة في الصدام مع المدنيين، واحتراق المجمع العلمي، والخوف من أن يمتد الحريق ليلتهم الثورة ويبعد الجيش ويسقط مؤسسات الدولة، ويبقي الساحة خالية ليحتلها هذا «اللهو الخفي» الذي يقال عنه «الطرف الثالث».