بدأ صعود أوروبا الألمانية عام 1914، وفشل مرتين، وانتهى الآن بانتصار القوة الألمانية بعد ما يقرب من قرن من الزمان. إن حرب أوروبا التي خسرها القيصر فيلهلم عام 1918، والتي دمرها أدولف هتلر عام 1945، تكللت أخيراً بالانتصار على يد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل دون إطلاق رصاصة واحدة.
أو هكذا يبدو وفقاً للصحف الأوروبية، التي تشير الآن بمرارة إلى «رايخ رابع»، وإلى «زعماء» نازيين متعجرفين جدد يملون الشروط على مرؤوسيهم الأوروبيين. وتصور الرسوم الكاريكاتورية الشعبية الألمان مع تحياتهم النازية المتشنجة وصلبانهم المعقوفة، وهم يقومون بإرساء قواعد سلوكية جديدة للشعوب التي يفترض أنها أقل شأناً منهم.
ويعمد الملايين من الإيطاليين والإسبان واليونانيين والبرتغاليين وغيرهم من الأوروبيين المصابين بالذعر إلى صب مدخراتهم في البنوك الألمانية بمعدل 15 مليار دولار في الشهر الواحد. والآن، الأمر الذي يحدد ما إذا كانت الدول الأوروبية ستمضي قدما متعثرة بالقروض الجديدة المدعومة من قبل الألمان، أو تتخلف عن السداد وتشهد انحدار مستوى معيشتها إلى ما كان عليه منذ نصف قرن من الزمان، هو إشارة رضا أو استياء من ميركل.
وتعمد جارة قلقة، أي فرنسا، في أسلوب انفصامي، وكما حدث كثيرا في الماضي، إلى المراوحة بين انتقاد بريطانيا لتخليها عنها حيناً، وبين مدح ألمانيا من أجل استرضائها حيناً آخر. وقد ثبتت صحة المخاوف التي أبدتها رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر والرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران عام 1989 إزاء توحيد ألمانيا، والتي أشارت إلى أنه لا يمكن لاتحاد أوروبي جديد، ولا لحلف شمال أطلسي قديم، أن يكبحا جماح القوة الألمانية الموحدة.
كيف انتهى الحلم الكبير ب«أوروبا جديدة» بعد مرور 20 عاما فقط في محمية ألمانية، لا سيما في ضوء هدف الاتحاد الأوروبي غير المخفي تماماً الذي يرمي إلى تشتيت الطموحات الألمانية من خلال دولة عظمى على مستوى القارة الأوروبية؟
ليس عن طريق السلاح. إذ تخوض بريطانيا حروباً في جميع أنحاء العالم، من ليبيا إلى العراق. وتملك فرنسا أسلحة نووية. غير أن ألمانيا تبقى داخل حدودها في معظم الأحيان، دون قنبلة نووية أو حاملة طائرات واحدة أو قاعدة عسكرية خارجية.
وليس عن طريق المساعدات. فقد كرست ألمانيا ما يقرب من تريليوني دولار من أموالها الخاصة لإعادة بناء ألمانيا الشرقية التي دمرتها الشيوعية، دون أي مساعدة من الآخرين. وإذا قمت بالتجول في جنوب أوروبا، فإنك سترى طرقاً سريعة وجسوراً وخطوط سكك حديدية ومطارات وملاعب جديدة ممولة من قبل بنوك ألمانية أو مدعومة من قبل الحكومة الألمانية.
وليس من خلال عدد السكان. فبطريقة ما يتوسل نحو 120 مليون يوناني وإيطالي وإسباني وبرتغالي إلى حوالي 80 مليون ألماني ليقوموا بإنقاذهم.
وليس بسبب حسن الحظ. فمنذ 65 عاما فقط، كانت برلين عبارة عن مدينة سويت بالأرض، وكانت هامبورغ مجرد رماد، وكانت ميونيخ عبارة عن هياكل مبان، بدرجة من السوء لم تصل إليها حتى أثينا ومدريد ولشبونة وروما لم تصل إليها.
في حقيقة الأمر، إن الشخصية الألمانية، التي نالت الإعجاب وأثارت الذعر على امتداد نحو 500 عاماً من الأدب والتاريخ الأوروبيين، هي التي أفضت إلى أوروبا الألمانية الحالية. إننا في الوقت الحالي ننفر من مصطلحات، مثل «الشخصية القومية»، تبدو ملوثة بكوابيس الماضي. ولكن ليس هناك تفسير آخر صحيح من الناحية السياسية ليبين السبب في أن ديترويت التي كانت مزدهرة في عام 1945 تبدو اليوم وكأنها قد تعرضت للقصف، وبرلين التي تعرضت للقصف الشامل عام 1945 آخذة في الازدهار الآن.
وفي المتوسط، فقد عمل الألمان بقدر أكبر من الاجتهاد والذكاء مقارنة بجيرانهم الأوروبيين، إذ عمدوا إلى الاستثمار بدلا من الاستهلاك، وإلى الادخار بدلا من الإنفاق، وإلى الذهاب إلى النوم في الوقت الذي كان أقرانهم في الجنوب في طريقهم لتناول العشاء.
ويشكو المستفيدون من هذه الهبات بمرارة من أن البنوك الألمانية قدمت لهم المال لشراء المنتجات الألمانية بطريقة أشبه بالاستعباد التجاري للقرن الحادي والعشرين. ذلك صحيح، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا برلين، وليس روما أو مدريد، هي التي نجحت في تبني نزعة مركانتيلية مربحة من هذا النوع.
إلى أين يقود كل هذا؟ إنه يقود الآن إلى مجموعة من المجاهيل الكبرى التي تثير الذعر في معظم أنحاء أوروبا. وهل ستتم ترجمة اجتهاد وموهبة الألمان في نهاية المطاف إلى هيمنة عسكرية وشوفينية ثقافية، كما حدث في الماضي؟ كيف، بالضبط، يمكن لاتحاد أوروبي متفكك، أو حلف «ناتو» تتم قيادته الآن «من الخلف» من قبل أميركا المنسحبة، أن يقنع ألمانيا بعدم ترجمة نفوذها الاقتصادي الساحق إلى ميزة سياسية وعسكرية؟
هل يمكن للمراهقين الأوروبيين الفقراء أن يطيعوا آباءهم الألمان الأثرياء حقاً؟ من حيث الجوهر، وبخت برلين سكان جنوب أوروبا، مشيرة إلى أنهم اذا كانوا ما زالوا يطمحون إلى الحصول على رعاية طبية متطورة وملحقات عالية التكنولوجيا وسلع استهلاكية وفيرة، وهي مزايا نمط الحياة الغنية في كل من أميركا وشمال أوروبا، فإنه سيتعين عليهم أن يتصرفوا كما الألمان، الذين ينتجون مثل هذه السلع ويمولونها من أجل الآخرين.
وبعبارة أخرى، فقد يتسنى للأثيني الاحتفاظ بمطاره ومترو أنفاقه المتطورين للغاية، وقد يتسنى للإسباني تركيب ورك اصطناعي، وقد يتسنى للروماني التمتع بسيارته الـ«مرسيدس» الجديدة. ولكن ليس إذا أصروا على قيلولتهم اليومية، وعلى عشاء التاسعة مساء، وعلى التقاعد في أوائل الخمسينات من العمر، وعلى الغش في الضرائب، وعلى ساعات دوامهم المفروضة بحكم الأمر الواقع، التي تمتد من العاشرة صباحاً إلى الرابعة مساء.
وراء كل هراء اللحظة الأخيرة الذي يتفوه به الاتحاد الأوروبي، فإن النظام الأوروبي الجديد الخاص بألمانيا واضح وضوح الشمس، إذ يقول: إذا كنت ترغب في العيش كما الألمان، فيتعين عليك إذن أن تعمل وتدخر كما الألمان. وأنت حر في اختيارك.