ليس سهلاً أن تحتضن مدينة بين جوانحها أكثر من مائتي جنسية بثقافاتهم وعاداتهم وأخلاقهم وسلوكياتهم المتباينة المختلفة في كثير من الأحيان ثم يتبنى أهلها تنظيم السلوك الاجتماعي الجماعي لكل هذه الأطياف بإدارة محلية تحترم ثقافة وأخلاق وعادات أبناء المجتمع وتصنع خليطاً متناغماً يمزج بذكاء بين الحريات الشخصية والثوابت المجتمعية.

معادلة ليست في متناول اليد إذا نظرنا إليها من زاوية التنوع الديموغرافي الواقع والذي لا مناص منه، إلا أنها تغدو معادلة ميسورة سهلة الحل إذا تناولناها من رؤية الحريصين على أصالة المجتمع العاملين على منع وضبط أي تجاوزات قد تسيء إلى الصورة الكلية التي وضعتها الدولة أو المدينة لنفسها.

 وقد يكون قصب السبق حازته بلدية دبي حين رفعت مؤخراً شعار "دبي بلا تجاوزات" ورهن التطبيق الجاد والسريع مفاده أن 2012 سيكون على المستوى البيئي الحد النهائي للتجاوزات السلوكية التي تشوه المنظر العام للإمارة وستكون دبي مدينة بلا تجاوزات تؤذي المجتمع وتنال من الصورة الحضارية التي رسمتها الإمارة لنفسها ووضعت جميع مقومات نجاحها وريادتها الإقليمية والعالمية.

فالنوم على الأرصفة والسير بين الناس بملابس غير لائقة ربما تكون لدى بعض الجاليات سلوكيات في منتهى الحرية الشخصية لا تنال من "قداسة" الحق العام بين أهلها ولا تؤذي مشاعر أحد ما دام الجميع يفعل ذلك والثقافة الخاصة بهم لا تجد بأساً في مثل هذه الممارسات، إلا أنها في مجتمعنا تصدم الكثيرين وتعكس وضعاً مضطرباً لا يتناسب مع النهضة العمرانية والثقافية والحضارية التي تعيشها الدولة، وتفرض لدى أبناء المجتمع سؤالاً مقلقاً في جدوى التجميل البيئي ما دامت ثقافة بعض الجاليات لا ترى في ذلك ما يستحق عناء الاهتمام!!

والحقيقة التي لا بد من التركيز عليها في كل مرة نتناول مثل هذه الملاحظات أننا لا ننال من قيمة أحد من تلك الجاليات حين ننتقد سلوكيات هي في حقيقة الأمر ثقافات محلية خاصة بهم تعارف عليها المجتمع عبر أجيال وقبلها في عقود اجتماعية متراضية الأطراف فحواها أنني أقبل منك ما تقبله مني، وساعد على ذلك بُنى تحتية في أغلب الأحيان تفرض تصرفات تكاد تكون ضرورية في مكانها وزمانها، ولكن المسألة هنا تختلف، فنحن أمام انتهاك لضوابط مجتمعية متعارف عليها بين أبناء مجتمعنا وكثير من المجتمعات لا يجوز الرضا عن تجاوزها أو تبرير التعدي عليها.

والعودة إلى جذر المسألة يدفعنا إلى القول إننا فتحنا أبوابنا مرحبين بجميع الجاليات من دون تمييز للعيش والعمل والاستثمار والمشاركة في بناء مستقبل الوطن ومستقبلهم الخاص من دون قيود على ذلك ما دام يصب في الصالح العام ولا ينال من مكتسبات المجتمع، وفضلاً عن ذلك حرصت دبي خصوصاً والإمارات عموماً على تهيئة بنية تحتية ومرافق حضارية تساعد على إتمام مشاريع النهضة بنجاح، يضاف إلى ذلك وهو الأهم بنظري ما هيأته الدولة من غطاء قانوني يضمن حقوق الإنسان وحريته الشخصية في مساواة تشمل الجميع وتحترم خصوصياتهم وتقبل طقوسهم وعاداتهم ما دامت لا تصطدم مع ثوابت المجتمع، لتكتمل الصورة الحضارية للمدينة العالمية.

فإذا كنا نحترم أدق خصوصيات الجاليات الوافدة فلا أقل من أن نطلب منها أن تحترم ثوابتنا الاجتماعية والسلوكية، وأننا سنحاسب من يتجرأ عليها عن قصد لا عن جهالة، وذلك لأننا نرى أن هذه الدعائم السلوكية الأصيلة والعادات الثابتة هي روح المجتمع التي يعد النيل منها نخراً في بناء الوطن ككل، وتحطيماً لمكتسبات ومنجزات حضارية ما كان لها أن تكون لولا جهود المخلصين من أبناء الوطن بداية وقبل كل شيء.

وهنا لا بد من تفعيل الدور الإعلامي التوعوي في أوساط الجاليات لوضع النقاط السلوكية فوق حروف التعامل الاجتماعي، وهذا يتطلب بلا شك تضافر جميع الجهود لإيصال هذه الرسائل إلى أوسع قدر ممكن من شرائح المجتمع، مما يفرض على أبناء المجتمع أولاً جهداً إضافياً في التوعية ونبذ السلبية ومجرد النقد لمثل هذه السلوكيات وكأنها مسؤولية جهة بعينها فقط لا غير، فلا يمكن لأي جهة رقابية مهما أوتيت من امتداد ونشاط أن تضبط جميع أبناء مجتمع مترامي الأطراف، بل الاعتماد لا بد أن يكون إضافة إلى ذلك على الغيورين على ثقافة المجتمع، بالنصيحة والتوعية وعدم التهاون بمثل هذه التجاوزات ولو كانت بسيطة لأن أثرها كبير على المدى البعيد وستفتح الأبواب لكثير من الأخطاء التي يصعب عندها الوقوف في وجهها ولا ينفع عندها أسف ولا حملات توعية.

ولا بد من التأكيد على حقيقة يعرفها القاصي والداني تتمثل في حرص الإمارات عموماً ودبي على وجه الخصوص في حماية الحريات الشخصية للجميع وصون الحقوق الإنسانية تحت مظلة الحرص على المبادئ العامة للدولة بما يقدم الإمارات بالصورة التي تليق بها على كافة الصعد محلياً وإقليمياً وعالمياً.